"نطاق سريان النص الجنائي"
ملخص:
لا يكفي انطباق سلوك على نص قانوني يجرمه ويعاقب عليه حتى يقوم الركن الشرعي للجريمة، بل لكي ينطبق النص على الواقعة أن يكون ساريا ومطبقا على الواقعة زمانا ومكانا، أي أن يكون النص ساريا من حيث الزمان والمكان لأن القوانين غير دائمة ولا مؤبدة، ومن ثم كان بحث سريانها من الناحية الزمانية أمر مهم، كما أنها لا تطبق على كافة الأماكن ومن ثم كان بحث نطاق سريانها من الناحية المكانية أمر مهم أيضا. ولتوضيح ذلك نتطرق إلى سريان القانون الجنائي من حيث الزمان، ثم سريان القانون الجنائي من حيث المكان.

سريان النص الجنائي من حيث الزمان

عملا بمبدأ الشرعية الجنائية فإن القانون الجنائي لا يطبق إلا على الأفعال التي تقع بعد نفاذه وسريانه من الناحية الزمانية، ومن ثم فإنه لا يطبق القانون الجنائي بأثر رجعي على الوقائع السابقة لنفاذه، فالأصل في القانون أنه يسري بأثر فوري ومباشر وهو ما يعرف بالنفاذ المعجل للقوانين.
1. بداية سريان القانون: الأصل أن القانون يكون نافذا وساري المفعول بعد المصادقة عليه من طرف السلطة التشريعية بغرفتيها ونشره في الجريدة الرسمية، فالقانون الجنائي ينطبق منذ لحظة إصداره إلى لحظة إلغائه.
2. حكم الجرائم المستمرة وجرائم الاعتياد في التطبيق: في الجرائم الوقتية البسيطة ركنها المادي ينتهي لتوه أما في الجرائم الوقتية المتتابعة والجرائم المستمرة وجرائم الاعتياد يتطلب ركنها المادي وقتا يطول ويصل إلى عدة شهور كالبناء بدون رخصة أو إخفاء أشياء مسروقة أو استعمال المزور أو حيازة سلاح ناري بدون رخصة أو سرقة الكهرباء أو اعتياد التسول. فقانون العقوبات عندنا لا يسري على الماضي إلا ما كان منه أقل شدة.
3. عدم رجعية القاعدة الجنائية: القاعدة الجنائية لا تطبق إلا على الأفعال التي تقع بعد نفاذها وأثناء استمرارها سواء كانت هذه القاعدة الجنائية موضوعية أم شكلية إجرائية، وهذا التطبيق عرف منذ القدم لدى فقهاء القانون بمبدأ عدم رجعية القواعد الجنائية على الماضي.

* عدم رجعية القاعدة الموضوعية: فقانون العقوبات لا يطبق إلا على الأفعال التي ارتكبت في ظل نفاذه وسريانه سواء ما تعلق منه بشق التجريم أم بشق العقاب وهذا يعتبر تكريسا لمبدأ الشرعية.
· معنى القانون الأصلح للمتهم: إن القانون الأصلح للمتهم هو ذلك القانون الذي يبيح الفعل أصلا بعد أن كان مجرما أو يغير نوع العقوبة إلى الأخف أو مقدارها إلى الأقل.
· شروط القانون الأصلح للمتهم:- أن يكون القانون الجديد أصلح للمتهم، -أن لا يكون قد صدر على المتهم حكما نهائيا باتا قبل صدور القانون الجديد.
*عدم رجعية القاعدة الإجرائية: القاعدة الإجرائية هي القاعدة الشكلية التي تنظم سير الدعوى الجزائية بدأ بالتحريات الأولية مرورا بالتحقيقات الابتدائية إلى غاية تنفيذ الأحكام الصادرة عن الجهات الجزائية، فهذه النصوص جميعا لا رجعية فيها ومن ثم فإنها تسري بأثر فوري ومباشر على الدعوى الجزائية ولو كانت قد ارتكبت قبل صدورها.
· النصوص المتعلقة بالمتابعة: إذا صدر قانونا جديدا أطلق حق النيابة العامة في تحريك الدعوى وإمكانية مباشرتها دون شكوى أو إذن، فإن القانون الجديد لا ينفذ مادامت الواقعة قد ارتكبت في ظل قانون يقيدها في المتابعة لأنه يكون أسوأ له، وهذا على عكس ما إذا كان القانون الجديد هو الذي يضع هذا القيد أو الشرط.
· النصوص المتعلقة بالتنظيم القضائي والاختصاص: النصوص المتعلقة بالتنظيم القضائي والاختصاص تسري ليس فقط على الدعاوي التي وقعت في ظلها وعند نفاذها، بل تسري أيضا على الجرائم التي ارتكبت قبل نفاذها ما دام لم يصدر فيها حكم من محكمة أول درجة.
· النصوص المتعلقة بطرق الطعن: إن النصوص المتعلقة بطرق الطعن ومواعيدها وإجراءاتها تسري بأثر فوري ومباشر ولا تسري بأثر رجعي، وعليه فإن طرق الطعن وشروط ممارسة هذا الحق وصفة الأشخاص الذين لهم ذلك تبقى خاضعة للنصوص التي صدر في ظلها الحكم الجزائي ولا يطبق عليها القانون الجديد، وذلك حفاظا على الحقوق التي اكتسبها الأشخاص المحكوم عليهم في ظل النصوص القديمة.
· النصوص المتعلقة بتقادم الدعوى وتقادم العقوبة: هناك رأيين، أصحاب الرأي الأول ذهبوا بالقول أن النصوص المتعلقة بالتقادم سواء ما تعلق منها بالدعوى أم بالعقوبة هي نصوص إجرائية شكلية ومن ثم فإنها تخضع لما تخضع إليه النصوص الإجرائية من كونها تسري بأثر فوري ومباشر ومن ثم ينصرف أثرها حتى إلى الدعاوى التي وقعت قبلها، وليس للمتهم الدفع بعدم تطبيقها عليه لأن تطبيقها من النظام العام. أما أصحاب الرأي الثاني ذهبوا بالقول إلى تغليب الطابع الموضوعي لنصوص التقادم عن الطابع الإجرائي ومن ثم فإن القوانين المتعلقة بها تسري بأثر فوري ومباشر وأنه لا رجعة إلا ما كان منها أصلح للمتهم أما ما كان يسيء إليه من النصوص أو هو لغير صالحه فإنه لا يطبق عليه، وهذا الرأي أكثر واقعية ومنطقية.

سريان النص الجنائي من حيث المكان

من المبادئ المسلم بها دوليا وفي التشريعات أن قانون أي دولة هو وحده الذي يسري داخل إقليمها وعلى مواطنيها، ولا يتعداه إلى الخارج حتى صار هذا الأمر معروفا بمبدأ إقليمية قانون العقوبات.
وسبب تكريس هذا المبدأ دوليا هو أن حق العقاب أصلا من خصائص السلطة العامة ويعد مظهرا من مظاهر السيادة الأصلي للدولة، وعلى هذا لا يجوز التنازل عنه لأي هيئة أو سلطة أجنبية كما أن على القاضي أن لا يطبق قانونا آخر غير القانون الذي تصدره الدولة.
ولا شك أم كل دولة هي أقدر من غيرها في تحديد صور السلوكات التي يمكن تجريمها من عدمه وكذا العقوبات المناسبة لها.
كما أن مبدأ الشرعية يحتم القول بإقليمية القوانين حتى لا يتفاجأ الأشخاص بالعقاب بقانون لا علم لهم به، ذلك لأن الشخص إذا كان لا يعذر بالجهل بالقانون بعد سريانه ونفاذه فإن هذا يكون في الدولة المتواجد فيها أو التي يقيم على أرضها.
بالجمع بين النصوص الموجودة في قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجزائية نجد أن تطبيق القانون من حيث المكان لم يبق محكوما بمبدأ واحد وهو مبدأ إقليمية قانون العقوبات بل أصبح التطبيق المكاني لقانون العقوبات محكوم بأربعة مبادئ وهي الإقليمية، ومبدأ العينية ومبدأ الشخصية ومبدأ العالمية.
ويراد بإقليمية القانون أن يطبق قانون العقوبات على كل جريمة ترتكب في أراضي الجمهورية والواقعة تحت سلطان الدولة، أما عينية القانون فيعنى بها أن يطبق القانون على كل جريمة تمس الحقوق الأساسية للدولة وأيا كانت جنسية مرتكبها أو مكان ارتكابها.
أما شخصية القانون فإنه يعنى بها أن يطبق القانون على شخص يحمل جنسيتها وأيا كانت الدولة التي ارتكبت فيها الجريمة.
أما عالمية القانون فإنه يعنى بها تطبيق القانون على جريمة يقبض على مرتكبها في إقليم الدولة أيا كانت جنسيته ومكان ارتكاب جريمته.