مرحبا عزيزي الزائر, هل هذه اول زيارة لك؟ اضغط على "انشاء الحساب" واستمتع بخدماتنا .

أهلا وسهلا بك إلى شبكة قانوني الاردن.

>>معلومات قانونية سريعة:: “„


     

   ابحث في الموقع بكل سهوله وسرعة

 

شبكة قانوني الاردن

أهلا وسهلا بك إلى شبكة قانوني الاردن.

  + إنشاء موضوع جديد
النتائج 1 إلى 2 من 2
  1. #1
    ادارة الموقع
    LawJOConsultation Team
    Array الصورة الرمزية أحمد أبو زنط
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    الدولة
    Jordan
    المشاركات
    14,698
    Articles
    0
    Thumbs Up/Down
    Received: 233/1
    Given: 299/0
    معدل تقييم المستوى
    250




    بيانات اخرى

    الجنس :  ذكر

    المستوى الأكاديمي :  تعليم جامعي (بكالوريوس)

    الجامعة الحالية/التي تخرجت منها ؟ :  الجامعة الأردنية

    الحالة الاجتماعية :  اعزب

    الاتجاه الفكري  :  تكنوقراطي

    رابط السيرة الذاتية  :  قم بزيارة سيرتي الذاتية

    افتراضي أثر جائحة فيروس كورونا على الالتزامات التعاقدية | المحامي أحمد عبد المنعم ابو زنط

    أثر جائحة فيروس كورونا على الالتزامات التعاقدية | المحامي أحمد عبد المنعم ابو زنط




    بسم الله الرحمن الرحيم

    حمل البحث كاملاً من هنا


    بحث بعنوان
    أثر جائحة فيروس كورونا على الالتزامات التعاقدية




    إعداد المحامي
    أحمد عبد المنعم ابوزنط



    مقدمة:
    الحمد لله بداية كل أمر ونهايته، والشكر له على النعم وما قد يخصنا به من المحن، والحمد والشكر لله موصول على نعمة العلم ونسأله تعالى أن ييسر لنا سبله وأن يرزقنا الصبر والحلم.
    لقد شهد العالم جائحة لا تزال اثارها تدوي في جنبات الكون، فلا صوت يعلو على صوت كورونا – كوفيد 19 – الذي بدأ انتشاره كالنار في الهشيم انطلاقا من مدنية ووهان الصينية في شهر كانون الأول من عام 2019، والقى بظلال ثقيلة على باقي العالم، وإن كان التحدي الصحي لا يزال هو المسيطر، الا أن عجلة الحياة لا بد ليوم ان تدور، ولا بد للاعمال ان تستمر، بيد ان هذه الازمة التي ابتدأت كأزمة صحية، بدأت تتبلور مع مرور الايام وطول الانتظار لأزمة اقتصادية، فالعقود والتزامات المتعاقدين انتابها عارضٌ طارئ جعل من تنفيذها مستحيل تارةً ومرهق في تارة أخرى.
    ومع تطور هذا الفيروس الى تهديد عالمي صريح، أعلنت منظمة الصحة العالمية أن أعداد الإصابات شكلت حالة طوارئ صحية عامة تثير القلق الدولي في جميع أنحاء العالم، وأصبحت الدول فى حاجة إلى اتخاذ تدابير الطوارئ الناتجة على اضطرابات كبيرة فى التجارة الدولية، وبدا ذلك يظهر بوضوح في تأثر الأعمال والتشغيل، بما في ذلك إغلاق أماكن العمل والموانئ، وتعطل قنوات الإمداد والتوزيع، ونقص العمالة وضعف الطلب على مستوى العالم.
    فاتخاذ السلطات على مستوى العالم لحزمة من الاجراءات لمحاربة هذا الوباء، وما لحق هذه الاجراءات من تعطيل لمظاهر الحياة العامة كحالنا في الاردن، حيث تم اعلان العمل بأحكام قانون الدفاع وفرضت بموجبه الحكومة الاردنية حظراً للتجوال واغلاقاً للمحال وتقييدا لحركة التنقل وحرية الاجتماع، فقد أدى ذلك بطبيعة الحال لتعثر تنفيذ العديد من الالتزامات في كثير من القطاعات، مما يسعفنا للقول أن هذه الجائحة بدأت تتوالى أثارها وتتفاقم، وأصبح من الواجب شحذ المعاول القانونية لتكييف هذه الجائحة وتقييم اثرها على الالتزامات التعاقدية وهذا ما سيتناوله موضوع هذا البحث باذن الله.
    إن الناظر في هذه الجائحة وما سببته من تداعيات على مستوى العالم، يجد انها من حيث المبدأ تنزل في منزل القوة القاهرة تارةً وذلك من حيث استحالة تنفيذ الالتزام استحالة مطلقة سواء كانت تلك الاستحالة كاملة أو جزئية أو وقتية في العقود المستمرة، بينما نجد انها في تارة اخرى وان لم تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلا الا أنها جعلته مرهقاً للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة
    كما نرى أن اثر هذه الجائحة على الالتزامات التعاقدية وفقا لتنظيم التشريع الاردني للمسألة يتفاوت حسب واقع الحال، فبعض الالتزامات العقدية تأثرت تأثراً مباشرا بفعل الاجراءات الصحية والأمنية المتخذة بالبلاد على الرغم من عدم وجود علاقة مباشرة لذات الجائحة مع اي من اطراف العقد، بينما نجد أن هنالك التزامات عقدية تأثرت بالجائحة نفسها وهنا لا بد من التنويه أن الاثر كان نوعين، فمنها ما طاله استحالة في التنفيذ ومنها ما أصبح تنفيذه مرهقاً للمدين.
    وعليه فإن هذا البحث سوف يتناول هذه المسألة على مطلبين، تناول في الاول تعريف الجائحة وبيان اثر الاجراءات المتخذة لمواجهتها على الالتزامات العقدية، بينما نخصص المطلب الثاني للبحث في اثر الجائحة نفسها على الالتزامات، من حيث استحالة التنفيذ المطلق تارة والارهاق اللاحق بالمدين عند التنفيذ تارة أخرى.
    فإذا قصرت في محاولتي المخلصة فحسبي أن الكمال لله وحده، وإن حالفني توفيق المولى فذلك منتهى الأمل وغاية الرجاء، والحمد لله بداية كل أمر ونهايته وهو من وراء القصد وإليه حسن المآل.
    الباحث



    المطلب الاول
    التكييف القانون للجائحة
    واثر الاجراءات المتخذة لمواجهتها على الالتزامات العقدية
    ينقسم هذا المطلب الى فرعين، نتناول في الاول التكييف القانون لجائحة فيروس كورونا، بينما نخصص الفرع الثاني للبحث في اثر الاجراءات الحكومية المتخذة لمواجهة الجائحة وذلك وفقا لما يلي:
    الفرع الاول
    التكييف القانوني لجائحة فيروس كورونا
    إن من الثوابت المتفق عليها شرعاً وقانون قاعدة (العقد شريعة المتعاقدين)، هذه القاعدة تضمن استقرار العقود ونفاذها على وجه لا يصح معه الفسخ دون مسوغ شرعي أو قانوني، كما لا يصح معه التعديل الا باتفاق جديد بين المتعاقدين.
    ومع ان هذا هو الاصل العام، الا ان الفقهاء المسلمون لم يأخذوا بهذه القاعدة على اطلاقها، بل وضعوا لها أحكاماً واستثناءات ومن ذلك قاعدة (وضع الجوائح) التي شرعت لرفع الحرج عن أحد المتعاقدين أو كلاهما في حال طرأت أو تغيرت الظروف عند التنفيذ لتصبح مختلفة عن الظروف التي كانت سائدة وقت التعاقد، لدرجة أن التغيير الحاصل من شأنه الحاق الضرر بأحد المتعاقدين مما يتنافى مع مقاصد الشريعة الاسلامية. وعليه فان (وضع الجوائح) قاعدة شرعية تقوم على الحط من الثمن كله أو بعضه مقدار ما تعرض المتعاقد من خسارة نتيجة الجائحة.
    وقد لا يختلف اثنان على أن انتشار فيروس كورونا يعتبر جائحة عالمية بكل ما تعنيه تلك الكلمة من معنى، ولقد سبق لفقهاء المسلمين أن فصّلوا بالبيان اثر الجوائح على الالتزامات حيث أن رفع الضرر وفقا لما سبق هو مبدأ ثابت في الشريعة الاسلامية، فقد قال فقهاء الحنفية بفسخ عقد الايجار للاعذار الطارئة، وقال فقهاء المالكية والحنابلة بوضع الجوائح عن المشتري في حال هلاك الثمار على الشجر بآفة سماوية بعد نضوجها وقبل جذاذها.[1]
    وقد عرفت المذاهب الاربعة الجائحة ونظمت أحكامها، فعند علماء الحنابلة فان الجائحة هي كل آفة لا صنع للأدمي فيها، وهذا ما ذهب اليه ابن قدامة في المغني حيث قال: (الجائحة: كُلُّ آفَةٍ لَا صُنْعَ لِلْآدَمِيِّ فِيهَا، كَالرِّيحِ، وَالْبَرْدِ، وَالْجَرَادِ، وَالْعَطَشِ؛ لِمَا رَوَى السَّاجِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ جَابِرٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي الْجَائِحَةِ.» وَالْجَائِحَةُ تَكُونُ فِي الْبَرْدِ، وَالْجَرَادِ، وَفِي الْحَبَقِ، وَالسَّيْلِ، وَفِي الرِّيحِ. وَهَذَا تَفْسِيرٌ مِنْ الرَّاوِي لِكَلَامِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ)[2]، اما ابن تيمية فقد قال: (هي الافة السماوية التي لا يمكن معها تضمين أحد مثل الريح والبرد والحر والمطر والجليد والصاعقة ونحو ذلك)[3]
    وعند المالكية فان الجائحة (ما لا يستطاع دفعه كسماوي وجيش) وهذا تعريف النفراوي، وزاد عليه ابو الحسن الشاذلي بالقول: (هي ما لا يستطاع دفعه كالبرد والريح والجيش)، اما عند الشافعية فقد عرفها الامام الشافعي بقوله: (وجماع الجوائح كل ما اذهب الثمرة، أو بعضها بغير جناية آدمي)، وقال النووي فيها وهو علماء الشافعية بأنها: (الافة السماوية كحر أو برد أو جراد أو حريق)، اما الحنفية فلم يضعوا حدوداً واضحة للجوائح الا ان المعاصرين استنتجوا تعريفها من بعض أحكام الاجارة والشفعة وغيرها عند الحنفية فقد كالدكتور عادل المطيرات الذي قال بأنها: "الافة السماوية التي تصيب المبيع فتهلكه كله أو بعضه"[4]
    وبمفهوم عام للجائحة يمكن القول بانها: "حدث اثناء تنفيذ العقد، غير متوقع الحدوث وقت ابرامه، لا يد لطرفي العقد في حدوثه، ويتعذر الاحتراز منه أو دفعه أو تجنب آثاره ويكون عاما أو خاصا ان كان بفعل آفة سماوية، أو يكون عاما ان كان بصنع آدمي يسبب ارهاقا للمدين أو استحالة في تنفيذ التزامه"[5]
    ومن الناحية القانونية لا نجد أن المشرع الاردني استخدم هذا المصطلح، الا انه عالج أحكام الجوائح ضمن نظريتي الظروف الطارئة والقوة القاهرة، وهذا ما يمكن استنتاجه عند مقارنة تعريف الجائحة سالف الذكر بالنصوص القانونية الناظمة لأحكام القوة القاهرة والظروف الطارئة، كما نجد ان مفهوم الجائحة يتسع لكلا النظريتين الآتي بيان مفهومهما في ثنايا هذا البحث.
    وبقياس احكام الجائحة على وباء فيروس كورونا، فانه يمكن القول بما لا يدع مجالاً للشك بأن انتشار ذلك الفيروس يشكل جائحة ولقد سبق أن اشرنا الى اعلان منظمة الصحة العالمية باعتبار ان أعداد الإصابات تشكل حالة طوارئ صحية عامة تثير القلق الدولي في جميع أنحاء العالم، وأصبحت الدول فى حاجة إلى اتخاذ تدابير الطوارئ.
    ونشير بهذا الصدد للحكم الصادر عن القضاء الفرنسي بتاريخ 12/3/2020[6]، حيث خلص القرار الى اعتبار الاصابة بفيروس كورونا من قبيل القوة القاهرة، بل ذهب القرار لأبعد من ذلك، حيث اعتبر ان احتمالية الاصابة ونقل العدوى يعتبر قوة قاهرة، حيث جاء في القرار: "عدم المثول جاء لقوة قاهرة وهي احتمال اصابة فكتور بفايروس كورونا كونه مخالط لمخالط لشخص ثبتت اصابته بالمرض، ومع عدم توفر العوزال اللازمة في مكتب قاضي الحريات والتوقيف فيكون الاخلال بشرط المثول تم تحت ظرف القوة القاهرة"
    وبالرجوع الى قرارات محكمة التمييز الاردنية، وعلى الرغم من عدم وجود قرارات حتى تاريخ اعداد البحث مرتبطة بجائحة كورونا، الا ان محكمة التمييز الاردنية قد سبق لها أن طبق نظرية القوة القاهرة في غير حادثة ومن ذلك القرار رقم 5566 لسنة 2019، الذي جاء فيه:
    "إن القوة القاهرة في الحادث الذي لا يمكن توقعه ويستحيل دفعه وأن عدم إمكانية توقع الحادث واستحالة دفعه هما الشرطان الواجب توافرهما في القوة القاهرة ويترتب على عدم توافر هذين الشرطين عدم مسؤولية المدعى عليها عن تعويض الجهة المدعية عن الأضرار اللاحقة بقطعة الأرض العائدة لهما"
    وفي قرار آخر ذهبت محكمة التمييز لاعتبار حوادث السير أمر متوقع ولا يعتبر من الامور الفجائية التي لا يمكن الاحتياط لها، حيث ذهبت محكمة التمييز للقول: "ان حادث السير ليس امراً خارجاً عن ارادة المميزة وانما هو حادث متوقع كما لا يعتبر من الامور الفجائية التي لا يمكن الاحتياط لها ويستحيل دفعها ذلك ان حوادث السير من الامور المتوقعة والقابلة للتحقق طالما ان المركبات تسير على الطرق ومعرضة بشكل دائم للحوادث وعليه فإن شروط القوة القاهرة غير متوفرة في الدعوى وفق المادة (247) من القانون المدني."[7]
    وبذلك نجد ان محكمة التمييز وضعت شرطين للحادث حتى يعتبر من قبيل القوة القاهرة، بحيث لا يمكن توقعه ويستحيل دفعه، وهذا ما ذهبت اليه المحكمة بقرارها رقم 4238 لسنة 2018، حيث قالت: "عرف القانون القوة القاهرة بانها الحادث الذي لا يمكن توقعه ويستحيل دفعه ، وان عدم امكانية توقع القوة القاهرة هي الحادث الذي لا يمكن توقعه ويستحيل دفعه وان امكانية توقع الحادث واستحالة دفعه هما الشرطان الواجب توافرهما"
    وبذلك وبقياس شروط القوة القاهرة على جائحة كورونا، نجد أن كلا الشرطين قد توفرا، حيث أن هذه الجائحة ما هي الا حادث غير متوقع ويستحيل دفعه وسوف نفصل في بيان ذلك عند الحديث عن انقضاء الالتزامات بسبب القوة القاهرة.
    بيد أن اثر هذه الجائحة على الالتزامات التعاقدية في التشريع الاردني تتجاذبه أحوال عدة، فمنها ما هو متصل بانعكاس اجراءات السلطات الحكومية المتخذة لمواجهة هذه الجائحة وتأثير تلك الاجراءات على الالتزامات التعاقدية، ومنها ما هو مرتبط بأثار الجائحة نفسها على الالتزامات وهنا قد يكون الاثر على نوعين، إما استحالة في تنفيذ الالتزامات أو ارهاق يلحق المدين جراء تنفيذها.
    وعليه سنتناول الاثار المترتبة على الاجراءات الحكومية وانعكاسها على الالتزامات العقدية في الفرع الثاني من هذا المطلب، بينما نخصص المطلب الثاني للبحث في اثر الجائحة نفسها على الالتزامات، ذلك التأثير الدائر بين استحالة التنفيذ والارهاق بالتنفيذ.


    الفرع الثاني
    تعذر التنفيذ بسبب الاجراءات المتخذة لمواجهة الجائحة (مراعاة احكام قانون الدفاع)
    وبالعودة الى جائحة كورونا التي غزت العالم، وأثرها على تنفيذ الالتزامات فقد سبق أن بينا أنه كان لهذه الجائحة تداعياتها، ولا ننكر بأي حال انها السبب الفعلي فيما اعترى العقود من تعثر أو تعذر في تنفيذ الالتزامات القائمة بموجبها وهذا ما سنتناوله في المطلب الثاني، الا انه يجب التغافل عن أن السبب المباشر فيما اعترى كثير من الالتزامات يكمن في واقع الحال باعلان العمل بقانون الدفاع، وما تبع ذلك من تدابير واجراءات صحية كحظر التجول واغلاق المنشآت.
    ومما يؤيد هذا القول أن الآفة التي يتعذر معها تنفيذ الالتزامات تصيب عادةً جزء أصيلاً في العقد وتغير من حاله الذي كان عليه وقت التعاقد كالتغيير في حال المحل أو أحكام العقد، كارتفاع سعر المبيع بسبب الحرب في عقد البيع، أو تهدم العقار بسبب الزلزال في عقد الايجار، أو غرق المنقول من بضائع ونحوها بفعل الفيضان في عقود النقل، او تعذر تسليم محل العقد او الثمن، وعلى هذا فان الحدث يرتبط اثره عادةً بشكل مباشر في جزء اصيل من العقد ويؤثر فيه تأثيرا مباشراً على النحو السابق ذكره.
    بينما في جائحة كورونا، نجد بعض الالتزامات اصبحت مرهقة أو مستحيلة بسبب التدابير المتخذة من قبل السلطات، فالكورونا بحد ذاتها قد لا تكون قد اعترت أحد المتعاقدين بسوء أو طالت محل العقد بشكل مباشر، الا ان ارتدادات الجائحة والتدابير الحكومية المتخذة بشأنها هي السبب المباشر بتعثر تنفيذ العقود، وخير دليل على ذلك ان القطاعات التي استثنيت من قرار الحظر قد نفذت التزاماتها على أتم وجه، فالصيدليات مثلا باعت الدواء للمشترين، والمخابز باعت الخبز، والبقالات كذلك الحال، وكل تلك العقود قد نشأت ونفذت في ظل جائحة كورونا، بل شهدنا عقود ايجار لمحال تجارية لذات المؤجر والمستأجر، احدها زاول اعماله لاستثناءه من احكام قانون الدفاع، والآخر اغلق أبوابه لشموله بأحكام الحظر. وبمعنى اخر: أن احد عقود الايجار قد نفذ، بينما تعثر تنفيذ الآخر على الوجه المقصود من العقد، على الرغم من وحدة المتعاقدين وتجاور المحلين.

    اذن العبرة في اعتبار ما أصاب العقد من ظروف يكون بالنظر الى مدى تأثير أحكام قانون الدفاع والقرارات الصادرة بموجبه على تنفيذ التزامات العقد، حيث ان المادة 11 من قانون الدفاع قد نصت على انه: (اذا تعذر تنفيذ اي عقد او التزام بسبب مراعاة احكام هذا القانون او اي امر او تكليف او تعليمات صادرة بمقتضاه او بسبب الامتثال لهذه الاحكام فلا يعتبر الشخص المرتبط بهذا العقد مخالفاً لشروطه بل يعتبر العقد موقوفاً الى المدى الذي يكون فيه تنفيذ العقد متعذراً ويعتبر ذلك دفاعاً في اي دعوى اقيمت او تقام على ذلك الشخص او اي اجراءات تتخذ ضده من جراء عدم تنفيذه للعقد او الالتزام)
    والناظر في حكم هذه المادة يرى انها عزت تعذر التنفيذ بسبب مراعاة احكام قانون الدفاع لا بسبب الجائحة ذاتها، وبذلك فان تعذر تنفيذ الالتزامات قد يكون مرده للجائحة نفسها أو بسبب الاجراءات المتخذة لمواجهتها، ولكل من الحالتين تفصيل خاص بهما سياتي بيانه، لكننا نخصص هذا الفرع للبحث في أثر مراعاة أحكام قانون الدفاع على الالتزامات التعاقدية ووفقا لما يلي:
    ابتداءً فإننا نلاحظ استخدام المشرع لمصطلح (العقد الموقوف) في المادة 11 من قانون الدفاع، وبتفسير الوقف المقصود في تلك المادة نجد أن المشرع اطلقه للكناية عن الاجل في العقد، فالوقف هنا وقف تنفيذ لا وقف انعقاد.
    "فوقف الانعقاد" - ان صح التعبير- في التشريع الاردني هو العقد الموقوف سندا لنص المادة 171 من قانون المدني يكون في التصرفات الصادرة من فضولي في مال غيره او من مالك في مال له تعلق به حق الغير او من ناقص الاهلية في ماله وكان تصرفا دائرا بين النفع والضرر او من مكره او اذا نص القانون على ذلك، وبتتبع حالات الوقف في القانون المدني الاردني نرى انها تتعلق بركن الانعقاد بحيث يعتري التراضي عيب لا يخرج العقد الى حيز الصحة، بل يبقيه موقوفا على الاجازة فاذا اجيز التصرف الموقوف نفذ واذا رفضت الاجازة بطل التصرف.
    أما مصطلح (العقد الموقوف) وفقا للمادة 11 من قانون الدفاع يقصد به وقف تنفيذ العقد الصحيح النافذ، وعليه فان الوقف رخصة قانونية لصالح الطرف الذي تعذر تنفيذ التزامه، يفرض بموجب تلك الرخصة قيداً يدخل على احكام العقد ويعدل فيها، وبذلك فان ذلك القيد ليس من شأنه التعديل في أصل العقد أو وصفه، بل إن كان العقد باطلا أو فاسدا أو موقوفا وفقا لأحكام القانوني المدني يبقى كذلك ولا تطاله المادة 11 من قانون الدفاع بتعديل احكامه.
    وإذ يرى الباحث أن المادة 11 من قانون الدفاع تدخل في احكام العقد الصحيح فقط وتعدل فيها، لأنها تطال العقد في مرحلة التنفيذ والعقد لا يكون ملزم التنفيذ الا اذا كان صحيحاً، لذلك وجبت التفرقة بين (وقف تنفيذ الالتزامات في العقد الصحيح) وفقا لمفهوم قانون الدفاع، وبين (العقد الموقوف) وفقاً لمفهوم القانون المدني الاردني.
    ونجد هنا أن المشرع لجأ لوقف تنفيذ العقود الخاضعة لحكم قانون الدفاع كبديل عن لجوء المتعاقدين للفسخ في القانون المدني الاردني، وهذا إعمال لرخصة الأجل في العقود أو نظرة الميسرة، حيث أن المادة 11 من قانون الدفاع تتناغم الى حد ما مع ما ورد في المادة 246 من القانون المدني التي أجازت للمحكمة أن تنظر المدين الى اجل مسمى اذا لم يوف بما وجب عليه بالعقد وذلك لاتاحة المجال للأولى وهو تنفيذ العقد كأصل عام.
    ولعل تمسك المشرع بتمكين العقد من النفاذ كلما كان لذلك مقتضى؛ لأن "الأصل في العقود اللزوم" كما يقول الزحيلي[8]، وذلك انبثاقا من القاعدة الفقهية: (يَلزم مراعاةُ العقد والشرط قدرَ الإمكان)[9]، ويقصد بـ"قدر الإمكان"؛ أي: أن الاصل وجوب احترام العقد، وتنفيذُ أحكامه وشروطه متى ما كان موافقًا للشرع ومقتضى العقد، ومتى ما كان تنفيذه ممكنًا، فالأصل الزام المتعاقدين بما اتفقا عليه، فلا يستقل أحد طرَفَي العقد بفسخه، أو تعديله، أو تربص الفرص للتحلل منه، وهذا من مقتضيات تنفيذ العقود بحسن نية[10].
    وفي ذلك قال القرافي: "الأصل في العقود اللزوم؛ لأن العقد إنما شُرع لتحصيل المقصود من المعقود عليه، ودفعِ الحاجات، فيُناسب ذلك اللزوم وفقًا للحاجة، وتحصيلاً للمقصود"[11] كما قال ابن تيميَّة: "الأصل حملُ العقود على الصحة"[12]
    وقد يتبادر للذهن أن هنالك ازدواجاً تشريعياً في تنظيم أحكام العقود في حال تفعيل قانون الدفاع بالاقتران مع نظريتي القوة القاهرة والظروف الطارئة في القانون المدني، فالعقد في مثل هذه الظروف قد تعتريه جميع الاحوال المنصوص عليها في كلا القانونين، فهل نحن فعلا امام تعارض تشريعي، وهل يتجاذب العقد نفسه عدة قوانين: كوقف تنفيذه تارة (بموجب قانون الدفاع)، او اعتباره منقضياً في تارة اخرى (كالقوة القاهرة في القانون المدني)، أو قابلاً للتعديل في تارة ثالثة (كالظروف الطارئة في القانون المدني).
    وللحقيقة ان الباحث سوف يجتهد في الاجابة على هذا السؤال مع الاخذ بعين الاعتبار عدم وجود سوابق قضائية أو تطبيقات عملية أو مراجع فقهية تعالج هذه المسألة على سبيل التحديد ومرد ذلك لحداثة تفعيل أحكام قانون الدفاع في الاردن، سائلين المولى عزوجل أن يُرفع العمل به بالقريب العاجل.
    ولبيان ذلك فيجب الأخذ بعين الاعتبار ما ذكرناه سابقاً ان الوقف المقصود في المادة 11 من قانون الدفاع لا يتعدى كونه وقفاً لتنفيذ الالتزامات وليس وقفا على الاجازة، والوقف في هذه الحالة كما قلنا رخصة للشخص الذي تعذر عليه تنفيذ التزامه بسبب مراعاة احكام قانون الدفاع، وبذلك فإن المشرع في هذا النص قد تناول تنظيم تنفيذ العقد الصحيح الذي تعذر تنفيذه بموجب أوامر الدفاع حصراً ولا يمتد حكمه لباقي العقود.
    ويمكن لنا هنا استنباط مجموعة من الشروط لاعمال نص المادة 11 من قانون الدفاع ووقف تنفيذ الالتزامات ووفقا لما يلي:

    1. أن يكون تعذر التنفيذ بسبب مراعاة احكام قانون الدفاع

    وبذلك يخرج عن حكم الوقف جميع العقود القابلة للتنفيذ الفعلي على الرغم من تفعيل احكام قانون الدفاع، كعقود المستهلكين من كهرباء وماء والاتصالات، وعقود المنفعة النافذة على الوجه المقصود من العقد دون انتقاص، وعقود العمل في القطاعات المستثناة من اوامر الدفاع، فتلك العقود لم يعتريها أي تعذر في تنفيذها، فالاصل أن تبقى نافذة وملزمة بحق المتعاقدين على الوجه الذي ارتضاه طرفي العقد اعمالا لقاعدة (العقد شريعة المتعاقدين)
    بالمقابل قد نجد أن تعذر التنفيذ عائد لاسباب تتعلق بالجائحة وأثارها على الرغم من ان مراعاة قانون الدفاع لا يمنع من تنفيذها كتعذر تنفيذ عقد توريد او نقل في قطاع من القطاعات العاملة والمستثناة من اوامر الدفاع، الا ان سبب تعذر التنفيذ عائد للاجراءات المتخذة لمواجهة الجائحة في بلد المورد، وعليه فان تنفيذ الالتزام يكون قد تعذر بسبب لا علاقة لقانون الدفاع فيه، وهنا لا مجال لتطبيق أحكام المادة 11 من قانون الدفاع على هذه المسألة لخروج سبب تعذر التنفيذ عن مراعاة احكام قانون الدفاع.
    وأخيرا بهذه النقطة، يجب أن لا ان يكون تعذر التنفيذ عائد لظروف احد المتعاقدين الخاصة، فمعيار تعذر التنفيذ يجب أن يرتبط ارتباطا كليا بمراعاة أحكام قانون الدفاع فيما يتصل بالعقد ذاته، فلو فرضنا أن عاملاً انتقص أجره بسبب مراعاة أحكام قانون الدفاع مما اثر على ملاءته المالية، فان هذا الظرف الخاص لا ينعكس على التزامات ذلك العامل بوصفه مستأجراً بموجب عقد ايجار لم يتعذر تنفيذه مراعاةً لأحكام قانون الدفاع، وتبقى بذلك التزاماته بموجب عقد الايجار قائمة وسارية.

    1. ان لا يؤدي الوقف لاستحالة التنفيذ بعد تعليق العمل بأحكام قانون الدفاع:

    وفي هذا الخصوص، نجد أنه لا مجال لاعمال أحكام المادة 11 من قانون الدفاع حيث أن توقف الالتزامات مؤقتاً قد تخرج العقد عن حكمه، بحيث تنقضي الغاية من العقد بسبب الوقف، كتلف السلعة المباعة بمرور الوقت لتعذر تسليمها، أو تعذر قطف الثمار في وقتها مما أدى الى تلفها، أو بمضي الزمن الذي يكون فيه تنفيذ العقد ممكناً، كالتزام بتقليم الاشجار بوقت معين لا يصح في غيره، او استئجار قاعة بتاريخ معين ان مضى استحالت عودته.
    وفي هذه الحالات فان الحكم بتطبيق نص المادة 11 من قانون الدفاع ووقف التنفيذ هو أمر غير متصور، لأن وقف التنفيذ مؤقتاً يجب أن يكون مرتبط بكون التنفيذ ممكناً فيما بعد.

    1. أن لا يخرج العقد بحكم طبيعته عن احكام قانون الدفاع

    حتى في حالة اعلان العمل بقانون الدفاع، فان استمرار تنفيذ بعض العقود قد يكون من مقاصد قانون الدفاع نفسه، كعقود توريد المستلزمات الطبية اللازمة لمواجهة الجائحة، وهنا لا يمكن التعذر بقانون الدفاع لتبرير وقف التنفيذ، لتضارب الغاية من قانون الدفاع مع وقف تنفيذ العقد.

    1. ان تكون طبيعة الالتزامات القائمة بموجب العقد قابلة للوقف

    فبعض الالتزامات الناشئة عن العقود تبقى مستمرة بحكم طبيعتها دون تعارض مع احكام قانون الدفاع، كالالتزامات الناشئة عن عقود التأمين وعقود الايجار، فلا وجه هنا لوقف مثل هذه الالتزامات باعتبار ان المتعاقد قد استوفى كامل حقوقه بالعقد وعليه بالمقابل اداء التزاماته، فمثلا من غير المعقول وقف التزامات المستأجر على الرغم من استيفاءه المنفعة، وبالمقابل البقاء على التزامات المؤجر نافذة دون عوض، والا اصبح المستأجر بذلك مثرياً بلا سبب على حساب المؤجر.
    عطفاً على ما تقدم، وباستقراء أحكام المادة 11 من قانون الدفاع وما استنبطناه من شروط، نجد أن حكم تلك المادة لا ينسحب على كافة العقود، حيث اذا لم يتوفر شرط من الشروط سابقة الذكر خرج العقد عن حكم المادة 11 من قانون الدفاع، حيث أن قانون الدفاع يجب أن يطبق بأضيق الحدود، وضمن ما تقتضيه المادة 124 من الدستور الاردني التي عللت اللجوء لقانون الدفاع لحالة الضرورة لغايات تأمين الدفاع عن الوطن، فمتى ما خرجت المسألة عن تلك الحدود لم يعد هنالك مسوغ للدفع بأحكام قانون الدفاع للتحلل من الالتزامات، وما يدفعنا للقول بتطبيق قانون الدفاع باضيق الحدود، هو انه قانون استثنائي جاء بوقت استثنائي والاصل ان يطبق على سبيل الاستثناء والحصر دون التوسع بتطبيق احكامه ليصبح الناظم العام للتعاملات في الحياة اليومية.
    واذا ما أخذنا بهذا القول، وطبقنا قانون الدفاع كما يجب ان يكون، أي على سبيل الحصر والاستثناء، فان ذلك يعني بطبيعة الحال أن كافة الالتزامات التي لا تنطبق عليها الشروط المذكورة لا تخضع لأحكام قانون الدفاع، وعلى الرغم من ذلك فان تلك العقود قد يعتريها عجز أو استحالة في التنفيذ أو ارهاق للمدين بسبب الجائحة، وفي هذه الحالة ومع عدم جواز تطبيق حكم المادة 11 من قانون الدفاع على تلك العقود فإنه لا مفر من اعمال نظريتي القوة القاهرة والظروف الطارئة في القانون المدني الاردن وحسب مقتضى الحال، وهذا ما سيتناوله المطلب الثاني من هذا البحث.
    واستيفاءً للغاية من البحث في هذا الفرع فإنه يجب التفريق بين الطبيعة القانونية لأثر الاجراءات على الالتزامات وبين نظرية عمل الامير، فقد يتبادر للذهن أن حالة اعلان العمل في قانون الدفاع ما هي الا تطبيق من تطبيقات نظرية عمل الأمير، واستبعاداً لهذه الفرضية يجب التنويه الى أن نظرية عمل الامير ذات صبغة ادارية
    ومع ان حالة الظروف الطارئة التي أدت لاعلان تفعيل العمل بأحكام قانون الدفاع تتشابه مع نظرية عمل الأمير، إلا أنه ما يميز هذه الجائحة عن نظرية عمل الأمير أن الإجراءات العمومية المتخذة صادرة عن جهة ليست طرفاً بالعلاقة العقدية، أما إذا ما كان الإجراء الإداري صادراً عن الجهة المتعاقدة فإننا نكون بصدد تطبيق نظرية عمل الأمير، بالاضافة لذلك فإن نظرية عمل الامير ترتبط بضرر خاص يلحق المتعاقد مع الادارة فقط ولا يمتد اثره لعموم الناس كما هو الحال في الجوائح.[13]
    وكما ذكرنا فإن نظرية عمل الأمير ترتبط بالعقود الإدارية، أما نظرية الظروف الطارئة فإنه يمكن تطبيقها على كل من العقود الإدارية والعقود المدنية على السواء.
    وهكذا يمكن القول بأن الأسباب الإدارية اللازمة لتطبيق نظرية عمل الأمير تختلف عن تلك اللازمة لتطبيق نظرية الظروف الطارئة من حيث مصدر تلك الأسباب، وطبيعة الضرر الناشئ عنها، ونوع التعويض المستحق.


    المطلب الثاني
    الالتزامات العقدية التي تأثرت بجائحة كورونا
    سبق وأن أشرنا إلى أن اثر جائحة كورونا على الالتزامات التعاقدية في التشريع الاردني قد تجاذبته عدة أحوال، وبينا في المطلب السابق أول هذه الحالات حيث خصص المطلب الاول للحديث عن تعذر التنفيذ بسبب الاجراءات المتخذة لمواجهة الجائحة من حيث أثر مراعاة احكام قانون الدفاع على الالتزامات التعاقدية.
    بالمقابل فقد توصلنا بالنتيجة إلى ان هنالك بعض الالتزامات التي تأثرت بالجائحة الا أنها تخرج عن نطاق المادة 11 من قانون الدفاع إما لعدم تأثرها باجراءات الدفاع، او بحكم طبيعتها، أو بحكم عدم قابليتها للتوقف: إما لاستحالة المثابرة على التنفيذ فيما بعد، أو لاستمرار تنفيذ الالتزامات فيها بحكم الامر الواقع، وعليه فسوف يتم تخصيص هذا المطلب للبحث في هذا النوع من الالتزامات التي اعتراها نوع من استحالة التنفيذ أو شابها حالة من الارهاق للمدين.
    وهاتان الحالتان، أي حالة الاستحالة وحالة الارهاق، تناولهما المشرع الاردني بالحكم تحت مسمى القوة القاهرة والظروف الطارئة، والتي نرى أنه لا يزال هنالك مجال لإعمال احكامهما متى ما خرج العقد عن نطاق أحكام قانون الدفاع، وهذا ما سيتم بيانه بعون الله في هذا الجزء من البحث.
    ولغايات استيفاء الغاية من هذا المطلب فسوف يتم تقسيم البحث فيه الى فرعين، نتناول في الاول نظرية القوة القاهرة وفي الثاني نظرية الظروف الطارئة وبيان مدى انطابقهما على العقود التي تأثرت بجائحة كورونا وحسب واقع الحال.


    الفرع الاول
    مدى انطباق نظرية القوة القاهرة على العقود تأثرت بجائحة كورونا
    لقد سبق وأن بينا أن هنالك العديد من العقود والالتزامات التي تأثرت بجائحة كورونا، ومع ذلك فان تلك العقود خرجت عن اطار احكام المادة 11 من قانون الدفاع لاستحالة تطبيق تلك الأحكام عليها وفقا لما تم بيانه سابقاً، فقانون الدفاع الذي نص على وقف تنفيذ الالتزامات لحين انتهاء حالة الدفاع لا يمكن ان ينسحب على العقود التي اصابها نوع من الاستحالة في تنفيذها، فالمثابرة على التنفيذ بعد الوقف -وفقا لمفهوم قانون الدفاع- يستلزم أن يكون العقد قابلاً لاستمرار التنفيذ فيه، فمتى ما استحال ذلك وجب علينا اللجوء للنصوص القانونية التي تحكم حالة استحالة التنفيذ.
    وبالرجوع لأحكام المادة 247 من القانون المدني نجد انها تنص على ما يلي: "في العقود الملزمة للجانبين اذا طرات قوة قاهرة تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلا انقضى معه الالتزام المقابل له وانفسخ العقد من تلقاء نفسه فاذا كانت الاستحالة جزئية انقضى ما يقابل الجزء المستحيل ومثل الاستحالة الجزئية الاستحالة الوقتية في العقود المستمرة وفي كليهما يجوز للدائن فسخ العقد بشرط علم المدين"
    ولغايات اسقاط احكام القوة القاهرة على أثار جائحة كورونا على الالتزامات فإنه لا بد من بيان مفهومها وشروطها وفقا لما يلي:


    أولا: مفهوم القوة القاهرة:
    أحياناً يطلق على القوة القاهرة مصطلح الاستحالة، والصحيح أن الاستحالة تعتر اثراً للقوة القاهرة، فهما بمثابة السبب والمسبب وتربطهما علاقة السببية، حيث تعد القورة السبب الذي ينتج عنه استحالة التنفيذ.[14]
    ولقد سبق ان بينا في المطلب الاول موقف الشريعة الاسلامي من القوة القاهرة، حينما تطرقنا لتعريف الجائحة والاصل الفهي في ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو بعت من أخيك ثمرا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا ، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟"[15]
    وعرف شراح القانون القوة القاهرة بأنها: كل فعل لا شأن لادارة المدين فيه، ولا يمكن توقعه ولا منعه يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً استحالة تعفي المدين من المسؤولية العقدية والتقصيرية"[16]
    وعرف السنهوري «رحمه الله» القوة القاهرة بأنها أمر غير متوقع الحصول وغير ممكن الدفع يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلا دون أن يكون هنالك خطأ في جانب المدين[17]
    أما القضاء المصري ممثلا بمحكمة النقض المصرية اعتبر "القوة القاهرة حادث غير ممكن التوقع فإذا أمكن توقع الحادث حتى لو استحال دفعه، لم يكن قوة قاهرة"[18]
    أما الفقه الفرنسي فقد عرف القوة القاهرة بأنها" كل واقعة تنشأ باستقلال عن ارادة المدين ولا يكون باستطاعة هذه المدين توقعها أو حدوثها ويترتب عليه ان يستحيل عليه مطلقا الوفاء بالتزامه" أما القضاء الفرنسي، فقد أشار إلى ان القوة القاهرة هي (كل حادث لا شأن لارادة المدين فيه، ولم يمكن توقعه ولا منعه ويصبح به تنفيذ الالتزام مستحيلاً)[19]
    أما محكمة التمييز الاردنية فقد ذهبت للقول بان "ان القوة القاهرة او الحادث الفجائي (هو ذلك الذي لا يد للانسان في حدوثهما ولا يمكن توقعهما لا زمانا ولا مكانا وفي الوقت نفسه لا يمكن دفعهما ) فاذا لم تتوافر هذه الشروط فلا يمكن القول بالقوة القاهرة او الحادث الفجائي ، وليس بالتالي امكان دفع المسؤولية استنادا لهما . ويكون الحريق قوة قاهرة اذا كان يمثل كارثة طبيعية ليس للانسان يد في حدوثه، ولا يمكن توقعه ولا دفعه ، وبعكس ذلك ، فهو ليس قوة قاهرة ، ويكون سببا للالزام بالضمان"[20]
    ثانيا: شروط القوة القاهرة:
    عطفاً على ما تقدم فإنه بالامكان استنباط شرطي القوة القاهرة وهما استحالة توقعها ودفعها، ونوجز بيان الشرطين فيما يلي:

    1. استحالة توقع حدوثها

    وشرح السنهوري هذا الشرط بقوله: تتسم بعدم امكان التوقع فاذا امكن توقف الحادث حتى لو استحال دفعه لم يكن قوة قاهرة، ويجب أن يكون الحادث غير مستطاع التوقع لا من جانب المدعى عليه فحسب، بل من جانب أشد الناس يقظة وبصراً بالأمور، فالمعيار هنا موضوعي لا ذاتي، بل هو معيار لا يكتفى فيه بالشخص العادي ويتطلب أن يكون عدم الإمكان مطلقاً لا نسبياً[21]
    وحسب القضاء المصري فإن "عدم امكان التوقع في المسؤولية العقدية يكون وقت ابرام العقد فمتى كان الحادث غير ممكن التوقع وقت التعاقد كان هذا كافيا حتى ولو أمكن توقعه بعد التعاقد وقبل التنفيذ"[22]

    1. استحالة دفعها أو مقاومتها

    واستحالة الدفع تكون بعدم القدرة على مقاومتها فاذا امكن دفع الحادث بطريقة أو باخرى فان جوهر القوة القاهرة ينتفي حتى لو كان الحادث مستحيل التوقع.[23]
    وباستقراء نص المادة 247 من القانون المدني الاردني يتضح لنا أنه لانفساخ العقد وانقضاء الالتزامات لا بد من توفر مجموعة من الشروط نوجزها فيما يلي:

    ثالثاً: أثر القوة القاهرة على الالتزامات
    إن أثر القوة القاهرة على الالتزام سندا لنص المادة 247 من قانون المدني الاردني، اعتبار الالتزام منقضياً، وهذا ما يسمى "بالانفساخ" وهو "وسيلة لانحلال العقد تتميز عن الفسخ من حيث أنها تقع عندما يصبح التزام أحد العاقدين مستحيلاً لسبب أجنبي لا يد له فيه".[24]
    وفي قضاء محكمة التمييز فقد ذهبت في أكثر من قرار للقول: "إذا طرأت قوة قاهرة في العقود الملزمة للجانبين تجعل تنفيذ الإلتزام مستحيلاً إنقضى معه الإلتزام المقابل له وأنفسخ العقد من تلقاء نفسه ويجب إعادة كل طرف الى حاله قبل التعاقد ، وتتحقق القوة القاهرة بتوافر شرطيها أن لا يمكن توقع الحادث وإستحالة دفعه، وفقاً لأحكام المادة (247) من القانون المدني"[25]
    وبالرجوع لنص المادة 448 من القانون المدني الاردني نجدها تنص على أنه: "ينقضي الالتزام اذا اثبت المدين ان الوفاء به اصبح مستحيلاً عليه لسبب اجنبي لا يد له فيه" وهذه المادة تقابلها المادة 373 من القانون المدني المصري والمادة 402 من القانون المدني القطري، في حين ان المادة 472 من قانون الاتحادي في شأن المعاملات المدنية الاماراتي نصت على انه "ينقضي الحق" بدلا من " الالتزام" المنصوص عليها في القانون الاردني وبعض القوانين المقارنة، وإننا اذ نرجح موقف المشرع الاردني الذي نص على انقضاء الالتزام بدلا من الحق، لأنه يكون بذلك قد انقضى بفعل الاستحالة ما يقع على عاتق المدين وهو المعني بدفع الالتزامات عنه بحجة القوة القاهرة، كما ان الحكم بانقضاء الحق قد لا يكون موفقاً في حالة الاستحالة الجزئية كما بينا سابقا.
    وعليه يمكن أن نجمل اثر القوة القاهرة بانفساخ العقد، و"اذا انفسخ العقد زال من تلقاء نفسه وبقوة القانون، فأصبح عدماً من غير حاجة لحكم القضاء، وزوال العقد في هذه الحالة يعني زوال جميع الالتزامات المتربتة عليه، لذلك يقال ان تبعة استحالة تنفيذ الالتزام بقوة قاهرة تكون على المدين بهذا الالتزام[26]، فاذا هلك محل الالتزام تحمل هو تبعة الهلاك وذلك بسقوط حقه المقابل وبراءة ذمة المتعاقد الآخر من التزامه"[27] وهذا ما يقتضي بطبيعة الحال اعادة الحال الى ما كان عليه قبل التعاقد.
    رابعا: شروط الانفساخ بسبب القوة القاهرة
    لغايات اعمال نص المادة 247 من القانون المدني، وتحقق انفساخ العقد حكماً ومن تلقاء نفسه، فلا بد من توفر عدد من الشروط نجملها بما يلي:

    1. أن يصبح الالتزام مستحيل التنفيذ:

    وهنا الاستحالة يجب أن تكون مطلقة، أي استحالة تشوب التنفيذ برمته بحيث لو كانت تلك الاستحالة موجودة وقت ابرام العقد لما قام العقد من أساسه، واذا ما تحققت تلك الاستحالة بعد ابرام العقد ادى ذلك الى انفساخه. والاستحالة كما اشرنا يجب أن تكون مطلقة، اما الاستحالة النسبية فلا تؤدي الى انفساخ العقد بل يلزم المدين بالتعويض،[28] فالاستحالة كما ذكرنا يجب ان تكون بسبب الجائحة لا أن يكون مردها لظروف احد المتعاقدين وعدم قدرته عن الوفاء بالتزاماته لظروف خاصة.
    ومن متطلبات الاستحالة ان تكون كاملة، كعقود الايجار صالات الافراح والمناسبات التي تعذر تنفيذها بشكل كامل في موعدها المحدد، فتلك العقود يستحيل تنفيذها في موعدها المتفق عليه فاذا ما انقضى ذلك الموعد استحالت العودة له، كما يدخل من باب الاستحالة تلف السلعة المباعة اذا ما كانت من السلع التي تتلف بمرور الوقت لاستحالة تسليمها، أو تعذر قطف الثمار في وقتها مما أدى الى تلفها، أو بمضي الزمن الذي يكون فيه تنفيذ العقد ممكناً، كالتزام بتقليم الاشجار بوقت معين لا يصح في غيره.
    وإن كانت الاستحالة من حيث المبدأ يجب أن تكون كاملة الا ان المادة 247 من القانون المدني تصورت ان تكون الاستحالة جزئية فعندها ينقضي من الالتزام ما يقابل الجزء المستحيل ومثل الاستحالة الجزئية الاستحالة الوقتية في العقود المستمرة كعقود الايجار.
    وكمثال على الاستحالة الوقتية في العقود المستمرة، فانه في حالتنا هذه – أي في حالة جائحة كورونا- اذا ما تعذر تسليم العين المؤجرة بسبب الجائحة فعندها يكون قد استحال على المستأجر الانتفاع بالمأجور طوال الفترة التي يكون فيها تسليم المأجور مستحيلاً، فاذا زال السبب وتسلم المأجور بعد ذلك فيكون ملزماً بالاجرة من تاريخ تسلمه المأجور، وينقضي التزامه عن الفترة السابقة التي تعذر فيها ذلك.
    فلو فرضنا، أن عقد الايجار سنوي يبدأ بتاريخ 1/4/2020 وتعذر تسليم المأجور بسبب الجائحة حتى تاريخ 1/5/2020 فلا يلزم المستأجر بايجار الشهر الذي استحال فيه تنفيذ التزام المؤجر بتسليم العقار لانفساخ التزام المستأجر عن هذه الفترة بحكم القانون، أما بخصوص باقي مدة العقد فقد اجازت المادة 247 من القانون المدني للدائن فسخ العقد بشرط علم المدين، فإن لم يشأ الدائن فسخ العقد استمر تنفيذه حسب الاتفاق بالجزء المتبقي منه.
    ولا ينقضي الجزء المتبقي من العقد بحكم القانون بل يكون الفسخ بالتراضي أو بالتقاضي حيث أن ذلك الجزء لا يخضع لحكم الانفساخ لأن الاستحالة لم تطاله، وهذا فيه حماية للمدين من تعسف الدائن باستعمال حقه.[29]
    أما في حالة كان عقد الايجار قد بدأ قبل الجائحة، واستمر اثناءها، فإن الفترة التي تقع ضمن الجائحة يكون المستأجر ملزماً بها لأن المأجور وقع فعليا تحت يده وانتفع به قبل الجائحة ولم يستحل تنفيذ العقد من قبل المؤجر، أما التعذر بان المنفعة قد انتقصت من المأجور مراعاة لأحكام قانون الدفاع فقد بينا أنه قول مردود باعتبار ان العقد غير قابل للوقف حيث أن المأجور لا يزال تحت يد المستأجر ولا يزال يستخدمه لحفظ بضائعه، وأي قول بخلاف ذلك يعني أن يثري المستأجر على حساب المؤجر فمجرد حفظ البضاعة مثلا هو مكسب للمستأجر وهو اثراء له ان لم يؤدي ما يقابله للمؤجر لأصبح اثراءً بلا سبب.
    وفي ذلك يقول السنهوري رحمه الله: "ولا يكون المؤجر مسؤولاً عن الاعمال الصادرة من الجهة الحكومية اذا كانت هذه الاعمال لم تقع على العين المؤجرة، ولا على طريقة الانتفاع بها، وإنما كان من شانها أن تجعل استغلال العين أقل فائدة من ذي قبل.
    مثل ذلك ان يصدر قانون يحدد من ساعات العمل في المصانع، فلا يجوز لمستأجر مصنع أن يرجع على المؤجر بدعوى أن هذا القانون جعل استغلال المصنع أقل ربحاً مما كان قبل صدور القانون.
    ذلك أن المستأجر اذا كان قد اصابه ضرر بمثل هذه الفروض المتقدمة، فقد يجنى فائدة بفروض أخرى كأن تقوم الادارة بأعمال تحسن من صقع الناحية التي فيها المكان المؤجر فتزيد ارباح المستأجر. ولا شأن للمؤجر في كل هذا، لحق بالمستأجر خسارة أم أصابه ربح."[30]
    وإن كان الباحث يعتقد بما ذهب اليه الفقيه السنهوري رحمه الله بهذا الخصوص، الا أنه من باب الاسهاب في التوضيح سوف يتم التعقيب على هذه المسألة بحدود جزئية: (عدم مسؤولية المؤجر عن الأعمال الحكومة اذا لم تقع على طريقة الانتفاع بالعين المؤجرة) وذلك في حال أن طريقة الانتفاع تغيرت بشكل جوهري إلى الحد الذي صار فيه الالتزام مرهقا للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة، وسوف يتم الحديث بهذا الخصوص لدى تناولنا لنظرية الظروف الطارئة في الفرع الثاني من هذا المطلب لتعلقها بهذا الخصوص.

    1. أن ترجع الاستحالة لسبب أجنبي:

    وفي ذلك يقول السنهوري رحمه الله: "الالتزام لا ينقضي بسبب استحالة تنفيذه الا كانت هذه الاستحالة ترجع الى سبب أجنبي، وأن العقد لا ينفسخ من تلقاء نفسه بحكم القانون، الا اذا انقضى الالتزام. فالعقد اذن لا ينفسخ اذا استحال تنفيذ الالتزام بسبب اجنبي، وما لم يثبت المدين هذا السبب الاجنبي بقي ملزما بالعقد وحكم عليه بالتعويض."[31]
    وبالعودة للسبب الاجنبي فيمكن القول أنه السبب الذي لا يرجع إلى فعل المسؤول، وهو ناف للمسؤولية، وقد يكون السبب الأجنبي قوة قاهرة، أو حادثا فجائيا أو فعل الغير، أو خطأ المضرور نفسه. وهذا يمكن استنباطه من حكم المادة 261 من القانون المدني الاردني
    وفي قرار لمحكمة التمييز الاردني فقد ذهبت الى أن "اصابة محركات الباخرة الناقلة للبضاعة موضوع العطاء ... هو من قبيل الحادث الفجائي والسبب الاجنبي الذي لا يد للمتعهد فيه وخارج عن ارادته وهو ياخذ حكم القاهرة وان لم يترتب عليه استحالة التنفيذ وانما ترتب عليه وقف تنفيذ العقد خلال مدة عطل الباخرة وقطرها مما يشكل استحالة وقتية في تنفيذ العقد بالمعنى المقصود من المادة (247) من القانون المدني وبالتالي لا يجوز مساءلة المتعهد عن التاخير في تسليم البضاعة لسبب خارج عن ارادته ولم يكن بامكانه تحاشيه".[32]




    الفرع الثاني
    مدى انطباق نظرية الظروف الطارئة على العقود تأثرت بجائحة كورونا
    أولا: ماهية الظروف الطارئة:
    أما نظرية الظروف الطارئة فاسمها فيه الدلالة الكافية على معناها كونها تقوم على فكرة إسعاف المتعاقد الذي اختل توازن عقده اقتصادياً، فهي تهدف إلى تحقيق العدالة في العقود ورفع الغبن منها، وقد اهتم بها الفقه الإسلامي كونها تقوم على أساس الضرورة والعدل، وقد جاء في كتب الفقه العديد من القواعد الكلية والمبادئ الفقهية التي تقوم على أساسها هذه النظرية ومنها (الضرر العام يدفع بالضرر الخاص)، (الضرر يزال بقدر الإمكان) (الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف)، وكذلك ما أقره الفقهاء في الفسخ بالأعذار أو وضع الجوائح وغيرها من القواعد التي تجيز تغير العقود وتعديلها.[33]
    وقد استلهمت العديد من التشريعات الحديثة هذه النظرية من القضاء الاداري خصوصاً بعد الظروف التي مرت بها فرنسا في الحرب العالمية الأولى، حيث تم ترسيخ قواعد هذه النظرية رغبة في استمرار سير المرافق العامة، ومع ذلك فان تلك النظرية ليست فرنسية المنشأ فقد أخذ بها الفقهاء المسلمون وبينوا أحكامها في مبدأ الاعذار التي تجيز فسخ عقد الايجار عند الحنفية، بالاضافة لقاعدة الجوائح التي سبق بيانها في بداية هذا البحث. [34]
    وذهب السنهوري رحمه الله الى ان هذه النظرية تفترض الوضع الاتي: "عقد يتراخي وقت تنفيذه الى أجل أو إلى آجال، كعقد التوريد، ويحل أجل التنفيذ، فاذا بالظروف الاقتصادية التي كان توازن العقد يقوم عليها وقت تكوينه قد تغيرت تغيراً فجائياً لحادث لم يكن في الحسبان، فيختل التوزان الاقتصادي للعقد اختلالاً خطيراً. وليكن الحادث خروج السلعة التي تعهد المدين بتوريدها من التسعيرة فيرتفع سعرها ارتفاعاً فاحشاً بحيث يصبح تنفيذ المدين لعقد التوريد يتهدده بخسارة فادحة تخرج عن الحد المألوف في خسائر التجار"[35]
    وقد نظم المشرع الاردني نظرية الظروف الطارئة في المادة 205 من القانون المدني حيث نصت على ما يلي: "اذا طرات حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وترتب على حدوثها ان تنفيذ الالتزام التعاقدي وان لم يصبح مستحيلا ، صار مرهقا للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة جاز للمحكمة تبعا للظروف وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين ان ترد الالتزام المرهق الى الحد المعقول ان اقتضت العدالة ذلك . ويقع باطلا كل اتفاق على خلاف ذلك"
    وبذلك فان الظروف الطارئة وإن لم تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً كالقوة القاهرة، الا انها تجعل من تنفيذ الالتزام على الوجه المتفق عليه يعود بخسارة فادحة على المتعاقد تخرج عن الحد المألوف، وبذلك يصبح ذلك الالتزام مرهقاً يهدد المدين بخسارة فادحة، وفي التفريق بين النظريتين فقد ذكرت المذكرة الايضاحية للقانون المدني الاردني على ان: "نظرية الطوارئ غير المتوقعة تختلف عن نظرية القوة القاهرة في أن الطارئ غير المتوقع لا يجعل تنفيذ مستحيلاً بل يجعله مرهقاً يجاوز السعة دون أن يبلغ حد الاستحالة وهنالك فارق يتصل بالجزاء، فالقوة القاهرة تفضي الى انقضاء الالتزام وعلى هذا النحو يتحمل الدائن تبعتها كاملة أما الطارئ غير المتوقع فلا يترتب عليه إلا إنقاص الالتزام إلى الحد المعقول وبذلك يتقاسم تبعته الدائن والمدين"
    هذه النظرية تقوم في مرحلة تنفيذ العقد ويقابلها نظريتي الاستغلال والاذعان في مرحلة تكوين العقد، والتقابل يكمن في ان تلك النظريات تشترك في اصلاح اختلال التوازن، حيث ذهب السنهوري الى ان نظريتي الاستغلال والاذعان تصلحان اختلال التوازن في العقد عن طريق الضرب على يد المتعاقد القوي اثناء تكوين العقد، بينما تصلح نظرية الظروف الطارئة التوازن عن طريق الاخذ بيد المتعاقد الضعيف أثناء تنفيذ العقد، وإن كانت نظرية الظروف الطارئة تختلف عنهما بأنه ترجع الى حادث لا يد فيه لأي من المتعاقدين.[36]


    ثانيا: شروط تطبيق نظرية الظروف الطارئ:
    بالاطلاع على نص المادة 205 من القانون المدني الاردني وبالرجوع لقرارات محكمة التمييز الاردنية ومن ذلك القرار رقم 590 لسنة 2010 الذي جاء فيه:
    "ان طلب تعديل الالتزام إلى الحد العادل يكون أثناء التنفيذ وفقاً لما تقضي به المادتان 204 و205 من القانون المدني إذ أن المادة 205 تشير للحوادث الاستثنائية العامة التي قد تطرأ أثناء تنفيذ الالتزام ولم يكن في الوسع توقعها وتجعل الالتزام مرهقاً للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة فيطلب من المحكمة رده إلى الحد المعقول (انظر المذكرة الإيضاحية للقانون المدني الأردني ص232 و233)"
    وبالاستناد ايضاً الى العديد من الاجتهادات القضائية للمحاكم النظامية[37] على اختلاف درجاتها فيمكن لنا استنباط شروط الظروف الطارئة بأربع شروط نبينها كما يلي:

    1. ان يكون العقد متراخيا في التنفيذ:

    ويكون ذلك عادة في العقود المستمرة كعقود الايجار وعقود التوريد، الا انه متصور أيضا في العقود فورية التنفيذ، حيث يمر بعض الوقت بين انعقاد العقد وتنفيذه وكما أشرنا الى قول السنهوري: في وصف ذلك العقد بأنه: "عقد يتراخي وقت تنفيذه الى أجل أو إلى آجال"، وقد ذهب السنهوري في شرح هذا الشرط الى اعتبار ان العقد وان لم يكن متراخ وطرأ مع ذلك ظرف استثنائي عقب صدوره مباشرة وإن كان ذلك لا يقع الا نادراً فليس يوجد ما يمنع من تطبيق النظرية، لذلك نجد أن القانون المدني الاردني والقانون المصري كذلك سكت عن شرط التراخي فهو شرط غالب لا شرط ضرورة.[38]
    وهذا الشرط وان كان مطلوباً في الظروف الطارئة، الا انه غير مشروط في القوة القاهرة، فالاستحالة في القوة القاهرة قد تطال الالتزامات الفورية أو المتراخية.

    1. ان يكون الحادث استثنائيا عاما:

    والحدث الاستثنائي ما يخرج عن المألوف في شؤون الحياة، اما ان يكون الحدث عاماً أي ألا يكون خاصاً بالمدين وحده بل يجب ان تكون عامة شاملة لطائفة من الناس، وفي مجال بحثنا ليس ادل من ان جائحة كورونا قد طالت العالم أجمع، ولعلها اوضح مثال على عمومية الحدث، ولربما فاقت عموميته وأثاره الحروب العالمية من حيث نطاق التأثير على كافة دول العالم. [39]
    وقد سبق أن تطرق البحث لذلك في مطلعه ولدى بيان شروط القوة القاهرة، حيث تشترك كلا النظريتين في العمومية، الا ان القوة القاهرة تنفرد بامكانية تطبيقها على الحوادث الخاصة أيضاً متى ما خرجت عن يد المدين وجعلت الالتزام مستحيلاً، وهذا الفرق يسجل أيضا بين النظريتين، وفقاً لما ذكرته المذكرة الايضاحية بهذا الخصوص.
    وفي ذلك قد ذهبت محكمة التمييز بهيئتها العامة في قرارها رقم 1013 لسنة 1992 إلى أنه: "يستفاد من احكام المادة 205 من القانون المدني انها لا تطبق الا عندما يكون الحادث الاستثنائي العام قد طرأ خلال فترة من الزمن تفصل بين ابرام العقد وتنفيذ الالتزام الذي رتبه فان كان الالتزام قد نفذ فلا مجال للقول بانطباق نظرية الحوادث الاستثنائية. وعليه فلا يطبق حكم المادة المذكورة الا اذا نفذ الالتزام قبل اقامة دعوى المطالبة بالتعويض عن الخسارة التي لحقت بالمتعهد من جراء الظروف الطارئة بتخفيض سعر الدينار."

    1. الا يكون في الوسع توقع هذا الحادث

    أي أن لا يكون بالامكان تفاديه، فلا يكون المدين قادراً على دفع تأثيره، فمتى ما خضع الحدث لقدرة المدين وامكنه تفاديه خرج عن كونه ظرف طارئ، وهنا تشترك نظريتي القوة القاهرة والظروف الطارئة بهذا الشرط.

    1. ان يترتب على هذا الظرف ارهاق المدين

    وهنا تكمن التفرقة الاساسية بين نظريتي الظروف الطارئة والقوة القاهرة فحتى يصار الى الركون لنظرية القوة القاهرة فلا بد من يصبح تنفيذ الالتزام مستحيلا كما سبق أن تم بيان ذلك في الفرع الاول، أما في نظرية الظروف الطارئة فالعقد لا يصل الى حد الاستحالة بل يبقى ممكناً لكنه مرهق للمدين، وبذلك فان الالتزام لا ينقضي كما حول الحال في القوة القاهرة، بل يرد الى الحد المعقول فتتوزع الخسارة بين المدين والدائن ويتحمل المدين شيئاً من تبعة الحادث.
    وارهاق المدين لا يكفي فيه الضيق العادي المألوف كالخسارة المتوقعة بحكم أي تعامل يحتمل الربح والخسارة، بل يجب أن يخرج الارهاق عن الحدود المألوفة الى حدود الخسارة الفادحة.
    ثالثا: ارهاق المدين تأثراً بجائحة كورونا
    وفي هذا الخصوص فقد سبق أن تم التعرض في الفرع الاول من هذا المطلب كيف أن جائحة كورونا إن طرأت على بعض العقود فجعلتها مستحيلة التنفيذ تنطبق عليها نظرية القوة القاهرة لينقضي الالتزام او الجزء المستحيل منه بحكم القانون، الا أنه تم التنويه أيضاً عندئذ إلى أن بعض الالتزامات قد لا تصل الى حد الاستحالة، بل قد يشوبها ارهاق بالتنفيذ يسبب خسارة فادحة للمدين، وهذا النوع من الالتزامات متى ما خرج عن حكم المادة 11 من قانون الدفاع، وبذات الوقت لم يكن مستحيلاً فخرج عن اطار القوة القاهرة، بل دار ذلك الالتزام في فلك الارهاق للمدين بفعل الجائحة عندئذ يدخل حيز الظروف الطارئة وتنطبق عليه أثارها.
    كما تم تناول أثار جائحة كورونا على عقد الايجار بشيء من التفصيل متى ما اصبح الالتزام مستحيلاً وكيف يتحلل المدين عندئذ من التزامه بفعل القوة القاهرة، ولكن ذكرنا أن الالتزام بعقد الايجار قد لا يصل الى حد الاستحالة، حيث أن تنفيذ المؤجر لالتزامه بتمكين المستأجر من منفعة العقار يخرجه عن حكم قانون الدفاع لعدم واقعية وقف تنفيذ العقد بسبب طبيعته المستمرة، كما أنه لا يُخرج العقد الى حد الاستحالة بالتنفيذ حيث أن التزام المؤجر تم تنفيذه فعلياً بحكم الامر الواقع، وان المستأجر يستفيد من المأجور فعلاً بحفظ بضاعته او أعماله، وكيف أن القول باستحالة العقد هو قول مردود لمخالفته واقع الحال، بل إن القول بذلك قد يكون مبرراً لانفساخ عقود الايجار بحكم القانون مع عدم مراعاة أنه لا يزال للمستأجرين مصلحة في استمرارها، وقد يكون ذلك مدخل لانحلال الكثير من العقود التي يستفيد المستأجرين فيها من مكنة الاستمرار القانوني لعقود الايجار سندا لأحكام قانون المالكين والمستأجرين.
    وعلى الرغم من كل ما تقدم ومع اننا استعرضنا رأي الفقيه السنهوري بذلك الذي خلص فيه الى (عدم مسؤولية المؤجر عن أعمال الحكومة اذا لم تقع على طريقة الانتفاع بالعين المؤجرة) إلا انه وكما ذكرنا ومن باب الاسهاب في التوضيح بالتعقيب على هذه المسألة فإنه وفي حال أن طريقة الانتفاع بالمأجور وإن لم تكن مستحيلة إلا أنه اعتراها نقص جوهري إلى الحد الذي صار فيه الالتزام مرهقا للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة فما المانع عندئذ من اللجوء الى نظرية الظروف الطارئة لاعادة التوازن للاختلال الذي لحق العقد !
    فلا أحد يمكنه أن ينكر ان العديد من عقود الايجار قد تأثرت بفعل الجائحة حيث أغلقت المحلات التجارية والمصانع بشكل كامل فأصاب المنفعة انتقاص جوهري جنح عن الحدود التي ذكرها السنهوري في شرحه، حيث أن اقصى ما ساقه السنهوري يتمحور حول تحديد ساعات الدوام وتقليص الانتفاع من المأجور، ولم يتطرق الى حد الحرمان من المنفعة على الوجه المتفق عليه كما حدث في الآونة الأخيرة، وإن كان ما ذهب اليه السنهوري رحمه الله من أن المؤجر لا يكون مسؤولاً عن الاعمال الصادرة من الجهة الحكومية اذا ما كانت هذه الاعمال لم تقع على طريقة الانتفاع بالعين المؤجرة، إلا أن الباحث يرجح أن هذا التوجه لا ينطلق على عمومه اذا ما كانت طريقة الانتفاع بالمأجور تغيرت بشكل جوهري.
    ومع الاقرار التام بعدم قابلية الالتزام للوقف وفقا لقانون الدفاع وعدم استحالة الالتزام للتنفيذ وفقا لشروط القوة القاهرة كما سبق بيانه، إلا أن الباحث يرى أن الالتزام وفقاً لهذه الصيغة وصل الى حدود الارهاق الذي يصيب المدين بخسارة فادحة مما يستوجب معه اعادة التوازن للعقد ورد الالتزام الى الحد المعقول الذي يوازي المنفعة المتحصلة فعلياً ووفقاً لمقتضيات العدالة مع الاخذ بعين الاعتبار حجم النقص الجوهري من استيفاء المنفعة تطبيقاً لنظرية الظروف الطارئة.
    والجدير بالذكر أن كل ما سبق بيانه لا يمكن أن ينطبق على اي إلتزام لم يطاله أي تأثير بسبب هذه الجائحة، فمن غير المتصور تذرع المدين في عقود الايجار الخاصة بالسكن باحكام قانون الدفاع أو القوة القاهرة أو الظروف الطارئة وذلك في حال عدم تأثر الالتزامات المنبثقة عن هذه العقود بالجائحة.
    رابعاً: أثر الظرف الطارئ:
    بناءً على ما تقدم فقد أصبح من المتصور أن معالجة اثار جائحة كورونا على الالتزامات قد تحتكم الى نظرية الظروف الطارئة، وبالرجوع الى حكم المادة 205 من القانون المدني نجد أنها أجازت للمحكمة تبعا للظروف وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين ان ترد الالتزام المرهق الى الحد المعقول ان اقتضت العدالة ذلك.
    ومع ان العقد شريعة المتعاقدين إلا انه استثناءً على الاصل فقد منح المشرع للمحكمة صلاحية الجوازية في تعديل العقد والتدخل في ارادة المتعاقدين في عقد انعقد صحيحاً من حيث الاصل، ولعل الحكمة في ذلك تكمن في رغبة المشرع اتاحة المجال لانفاذ العقود ما أمكن ذلك وتحقيقاً للعدالة باعادة التوازن للعقد الذي اختلت أحكامه بسبب الظروف الطارئة.
    وباستقراء نص المادة 205 المشار اليه، نجد ان الصلاحية المحكمة في التعديل جوازية وتخضع لسلطة القاضي التقديرية في الموازنة بين المصالح في العقد محكوما بقواعد العدالة والانصاف ولقد أكدت المذكرة الايضاحية للقانون المدني الاردني على ذلك حيث نصت على انه (لم يترك أمر هذا الطارئ للقضاء ليقدره تقديراً ذاتياً أو شخصياً بل استعمل المشروع عبارة "إن اقتضت العدالة ذلك" وهي عبارة تحمل في ثنايها معنى الاشارة الى توجيه موضوعي النزعة)، وبذلك فقد يستعين القاضي بخبراء من اهل الصنعة والفن لتقدير ما يجب حطه من الالتزام كما يمكن للقاضي الاستناد للقواعد الفقهية الكلية التي تحكم قاعدة الجوائح كما اشرنا سابقاً (فالضرر يزال بقدر الإمكان) و(الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف).
    وبذلك قد يرى القاضي وقف تنفيذ العقد حتى يزول الظرف الطارئ اذا كان الظرف وقتياً يقدر له الزوال في وقت قصير، فيمنح القاضي المدين أجلاً لتنفيذ العقد بعد زوال الظرف الطارئ إن كان ذلك ممكناً، أو قد يحكم القاضي بزيادة الالتزام المقابل للالتزام المرهق إلى الحد المقبول الذي لا يحمل معه الدائن أو المدين الخسارة كاملة، بل يحمل كل منهما نصيبه منها. كما قد حكم القاضي بانقاص الالتزام المرهق[40] كالحط من الاجرة في عقود الايجار كما سبق أن أشرنا.
    وإن كان للمحكمة صلاحية تعديل العقد وفقا لما سبق، إلا انها لا تملك الحكم بفسخ العقد وفقا لنظرية الظروف الطارئة لأن العبرة من تلك النظرية المحافظة ما أمكن على استمرار العقود واستقرار المعاملات، كما أن سلطة القاضي في تعديل العقد في حالة الظروف الطارئة تعتبر من النظام العام وبذلك لا يجوز الاتفاق على خلاف ذلك، بل ان المادة 205 من القانون المدني أبطلت كل اتفاق على خلاف ذلك.[41]


    الخاتمة
    لقد تناول هذا البحث أثر جائحة كورونا على الالتزامات التعاقدية، حيث تطرقنا في طياته لمفهوم قاعدة وضع الجوائح وبيان التكييف القانوني للأثار المترتبة على وباء كورونا وانزاله في منزلة الجوائح، كما تبين لنا أن اثر هذه الجائحة على الالتزامات التعاقدية وفقا لتنظيم التشريع الاردني قد تفاوت حسب واقع الحال، فبعض الالتزامات العقدية تأثرت تأثراً مباشرا بفعل الاجراءات الصحية والأمنية المتخذة بالبلاد على الرغم من عدم وجود علاقة مباشرة لذات الجائحة مع اي من اطراف العقد مما استدعى على ذلك تطبيق حكم المادة 11 من قانون الدفاع على تلك الالتزامات والحكم بوقف تنفيذ العقد متى كان هنالك متقضاً لذلك.
    كما تم التوصل الى أن المادة 11 من قانون الدفاع تدخل في احكام العقد الصحيح فقط وتعدل فيها، لأنها تطال العقد في مرحلة التنفيذ والعقد لا يكون ملزم التنفيذ الا اذا كان صحيحاً، لذلك تمت التفرقة بين (وقف تنفيذ الالتزامات في العقد الصحيح) وفقا لمفهوم قانون الدفاع، وبين (العقد الموقوف) وفقاً لمفهوم القانون المدني الاردني.
    وعليه فقد تم الاجتهاد بوضع مجموعة من الشروط لاعمال نص المادة 11 من قانون الدفاع ووقف تنفيذ الالتزامات تبعاً لذلك، وبتطبيق تلك الشروط فقد تبين أن هنالك بعض العقود قد خرجت عن احكام قانون الدفاع بحكم طبيعتها أو لاستحالة وقف تنفيذها أو لاستحالة تنفيذها بعد تعليق العمل بأحكام قانون الدفاع وعلى الرغم من ذلك فان تلك العقود قد يعتريها عجز أو استحالة في التنفيذ أو ارهاق للمدين بسبب الجائحة، وفي هذه الحالة ومع عدم جواز تطبيق حكم المادة 11 من قانون الدفاع على تلك العقود فإنه لا مفر من اعمال نظريتي القوة القاهرة والظروف الطارئة في القانون المدني الاردن وحسب مقتضى الحال.
    وعطفاً على ذلك فقد تم بيان اثر جائحة كورونا على العقود بوصفها قوة قاهرة تارة، وبوصفها ظرفاً طارئاً تارة أخرى، حيث تم بيان مفهوم كل من النظريتين وشروطهما والاشارة الى مواطن الاختلاف والتشابه بينهما أين ما ورد ذلك في طيات البحث.
    وبشيء من التفصيل فقد تم التطرق لأثر هذه الجائحة على عقود الايجار، وبهذا الخصوص فقد خلص البحث الى مجموعة من النتائج نجملها بما يلي:

    1. إن عقود الايجار تخرج عن احكام المادة 11 من قانون الدفاع بوصفها من العقود المستمرة حيث تأبى طبيعة الالتزام فيها لأن تكون قابلة للتوقف فمن غير المعقول وقف التزامات المستأجر على الرغم من استيفاءه المنفعة، وبالمقابل البقاء على التزامات المؤجر نافذة دون عوض، والا اصبح المستأجر بذلك مثرياً بلا سبب على حساب المؤجر.
    2. إن عقود الايجار التي استحال تنفيذها كاملةً تخضع لأحكام القوة القاهرة فينقضي الالتزام ويعتبر العقد منفسخاً بحكم القانون؛ كعقود الايجار صالات الافراح والمناسبات التي تعذر تنفيذها بشكل كامل في موعدها المحدد، فإن تلك العقود يستحيل تنفيذها في موعدها المتفق عليه فاذا ما انقضى ذلك الموعد استحالت العودة له.
    3. وإن كانت الاستحالة في عقود الايجار جزئية فعندها ينقضي من الالتزام ما يقابل الجزء المستحيل وتتمثل الاستحالة الجزئية بالاستحالة الوقتية في عقود الايجار، فاذا ما تعذر تسليم العين المؤجرة بسبب الجائحة فعندها يكون قد استحال على المستأجر الانتفاع بالمأجور طوال الفترة التي يكون فيها تسليم المأجور مستحيلاً، فاذا زال السبب وتسلم المأجور بعد ذلك فيكون ملزماً بالاجرة من تاريخ تسلمه المأجور، وينقضي التزامه عن الفترة السابقة التي تعذر فيها ذلك. ولا ينقضي الجزء المتبقي من العقد بحكم القانون بل يكون الفسخ بالتراضي أو بالتقاضي حيث أن ذلك الجزء لا يخضع لحكم الانفساخ لأن الاستحالة لم تطاله.
    4. في حالة استمرار عقد الايجار أثناء جائحة كورونا، فإن ذلك يخرج العقد عن اطار الاستحالة في التنفيذ فلا تنطبق عليه نظرية القوة القاهرة.
    5. اذا ما أصابت الجائحة المنفعة بانتقاص جوهري جنح عن الحدود المألوفة ووصل الى حدود الارهاق الذي يصيب المدين بخسارة فادحة فإن ذلك يستوجب اعادة التوازن للعقد ورد الالتزام الى الحد المعقول الذي يوازي المنفعة المتحصلة فعلياً ووفقاً لمقتضيات العدالة مع الاخذ بعين الاعتبار حجم النقص الجوهري من استيفاء المنفعة تطبيقاً لنظرية الظروف الطارئة.
    6. في حال عدم تأثر الالتزامات المنبثقة عن عقد الايجار بالجائحة فلا تنطبق عليه احكام قانون الدفاع أو القوة القاهرة أو الظروف الطارئة ولا يمكن للمدين التذرع بذلك ويبقى العقد قائماً صحيحاً وفقا لشروطه، ومثال ذلك عقود الايجار الخاصة بالسكن في حال عدم تأثر الالتزامات المنبثقة عنا بالجائحة.



    المراجع:

    1. عبد الرزاق السنهوري، نظرية العقد، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت لبنان، الطبعة الثانية 1998
    2. الدكتور عدنان ابراهيم السرحان والدكتور نوري حمد خاطر، شرح القانون المدني الاردني، مصادر الحقوق الشخصية، دراسة مقارنة، دار الثقافة، الطبعة الاولى الاصدار الثاني، 2005
    3. اسامة سالم الصرايرة، قاعدة وضع الجوائح في الفقه الإٍسلامي دراسة مقارنة، رسائل جامعية، جامعة مؤتة، 2008
    4. انور سلطان، مصادر الالتزام في القانون المدني الأردني، دراسة مقارنة بالفقه الاسلامي، منشورات الجامعة الأردنية، عمان 1987
    5. مصطفى عبد الغني عبد الله، القوة القاهرة في قضاء محكمة النقض المصرية
    6. اوليدي موسى وقادري عبد الرزاق، اثر القوة القاهرة في العقود الدولية، جامعة قاصدي مرباح ورقلة، كلية الحقوق والعلوم السياسية 2018
    7. محمد شتا أبو سعد، مفهوم القوة القاهرة، مجلة مصر المعاصرة، الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والاحصاء والتشريع، مجلد 74، العدد 394.393 تاريخ 1983
    8. خالد بني أحمد، الفرق بين القوة القاهرة والظروف الطارئة، دراسة مقارنة، المجلة الاردنية في الدراسات الاسلامية، العدد الثاني، 2006
    9. ابن قدامة (موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة)، المغني، الجزء الرابع
    10. ابن تيمية (تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام النميري الحراني)، مجموع الفتاوي، هجر للطباعة والنشر، ط1، 1997، ج30
    11. صحيح مسلم، جامع السنة وشروحها، كتاب المساقاة، باب وضع الجوائح، حديث رقم 3004
    12. وهبة الزحيلي، كتاب الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي، ج4
    13. البدائع، ج 6، ص 98، ودرر الحكام، ج 1، ص 84، وشرح القواعد الفقهية، ص 419. رابط الموضوع: www.alukah.net/sharia/0/94499/#ixzz6L0OCtnM8
    14. الفروق للقرافي، أنوار البروق في أنواء الفروق ، ج 4، ص 13
    15. د محمد أبو بكر، دور نظرية الظروف الطارئة في إعادة التوازن المالي للعقد الإداري، رابط الموضوع: draboubakr.blogspot.com/2010/02/blog-post.html
    16. عبيد العيافي، تعليق العقود في زمن الكورونا، جريدة عكاظ، عبر الرابط



    [1] اسامة سالم الصرايرة، قاعدة وضع الجوائح في الفقه الإٍسلامي دراسة مقارنة، رسائل جامعية، جامعة مؤتة، 2008، ص1

    [2] ابن قدامة، المغني، الجزء الرابع، ص 81

    [3] ابن تيمية، مجموع الفتاوي، هجر للطباعة والنشر، ط1، 1997، ج30، ص 151

    [4] الصرايرة، قاعدة وضع الجوائح في الفقه الإٍسلامي، مرجع سابق، ص8 وحتى 16

    [5] المرجع السابق ص 17

    [6] قرار صادر عن القضاء الفرنسي - الغرفة 6 لمحكمة استئناف كولمار تاريخ 12/3/2020 رقم 01098/20

    [7] الحكم رقم 3104 لسنة 2019 - محكمة تمييز حقوق

    [8] وهبة الزحيلي، كتاب الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي، ج4، ص 83

    [9] انظر البدائع، ج 6، ص 98، ودرر الحكام، ج 1، ص 84، وشرح القواعد الفقهية، ص 419. رابط الموضوع: https://www.alukah.net/sharia/0/94499/#ixzz6L0OCtnM8

    [10] وفي ذلك قد نصت المادة المادة 202/1 من القانون المدني الاردني على (يجب تنفيذ العقد طبقا لما اشتمل عليه وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية )

    [11] الفروق للقرافي، أنوار البروق في أنواء الفروق ، ج 4، ص 13. https://al-maktaba.org/

    [12] ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج 29، ص 466. https://al-maktaba.org/

    [13] د محمد أبو بكر، دور نظرية الظروف الطارئة في إعادة التوازن المالي للعقد الإداري، رابط الموضوع: http://draboubakr.blogspot.com/2010/02/blog-post.html


    [14] خالد بني أحمد، الفرق بين القوة القاهرة والظروف الطارئة، دراسة مقارنة، المجلة الاردنية في الدراسات الاسلامية، العدد الثاني، 2006، ص 171

    [15] صحيح مسلم، جامع السنة وشروحها، كتاب المساقاة، باب وضع الجوائح، حديث رقم 3004

    [16] انور سلطان، مصادر الالتزام في القانون المدني الأردني، دراسة مقارنة بالفقه الاسلامي، منشورات الجامعة الأردنية، عمان 1987، ص 536

    [17] عبد الرزاق السنهوري، نظرية العقد، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت لبنان، الطبعة الثانية 1998 ص 936

    [18] مصطفى عبد الغني عبد الله، القوة القاهرة في قضاء محكمة النقض المصرية

    [19] اوليدي موسى وقادري عبد الرزاق، اثر القوة القاهرة في العقود الدولية، جامعة قاصدي مرباح ورقلة، كلية الحقوق والعلوم السياسية 2018، ص 10

    [20] الحكم رقم 1969 لسنة 1997 - محكمة تمييز الاردنية، تاريخ 26/11/1997

    [21] اشار اليه محمد شتا أبو سعد، مفهوم القوة القاهرة، مجلة مصر المعاصرة، الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والاحصاء والتشريع، مجلد 74، العدد 394.393 تاريخ 1983 ص 180

    [22] مصطفى عبد الغني عبد الله، القوة القاهرة في قضاء محكمة النقض المصرية

    [23]محمد شتا أبو سعد، مفهوم القوة القاهرة، مرجع سابق ص 181

    [24] الدكتور عدنان ابراهيم السرحان والدكتور نوري حمد خاطر، شرح القانون المدني الاردني، مصادر الحقوق الشخصية، دراسة مقارنة، دار الثقافة، الطبعة الاولى الاصدار الثاني، 2005، ص 299

    [25] انظر قرار محكمة التمييز رقم 4187 لسنة 2018 - والقرار رقم 964 لسنة 2019

    [26] عبد الرزاق السنهوري، نظرية العقد، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت لبنان، الطبعة الثانية 1998 ص 598

    [27] الدكتور عدنان ابراهيم السرحان والدكتور نوري حمد خاطر، شرح القانون المدني الاردني، مرجع سابق، ص 299

    [28] الدكتور عدنان ابراهيم السرحان والدكتور نوري حمد خاطر، شرح القانون المدني الاردني، مرجع سابق، ص 300

    [29] الدكتور عدنان ابراهيم السرحان والدكتور نوري حمد خاطر، شرح القانون المدني الاردني، مصادر الحقوق الشخصية، مرجع سابق، ص 300

    [30] عبد الرزاق السنهوري، نظرية العقد، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت لبنان، الطبعة الثانية 1998 ص 418

    [31] المرجع السابق، ص 596

    [32] الحكم رقم 825 لسنة 1996 - محكمة التمييز، تاريخ 19/6/1996

    [33] عبيد العيافي، تعليق العقود في زمن الكورونا، جريدة عكاظ، عبر الرابط
    https://www.okaz.com.sa/specialized-corners/na/2018235

    [34] الدكتور عدنان ابراهيم السرحان والدكتور نوري حمد خاطر، شرح القانون المدني الاردني، مرجع سابق، ص 257

    [35] عبد الرزاق السنهوري، نظرية العقد، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت لبنان، الطبعة الثانية 1998 ص 515

    [36] عبد الرزاق السنهوري، الوسيط، نظرية العقد، ص 515

    [37] انظر مثلا الحكم رقم 17031 لسنة 2007 - محكمة استئناف عمان تاريخ 31/12/2008

    [38] عبد الرزاق السنهوري، الوسيط، نظرية العقد، ص 524، انظر أيضا الدكتور عدنان ابراهيم السرحان والدكتور نوري حمد خاطر، شرح القانون المدني الاردني، مرجع سابق، ص 258

    [39] المرجع السابق

    [40] عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرق القانون المدني، مرجع سابق، ص 529 وما بعدها.

    [41] المرجع السابق، ص531، انظر أيضا الدكتور عدنان ابراهيم السرحان والدكتور نوري حمد خاطر، شرح القانون المدني الاردني، مرجع سابق، ص 261


    المواضيع المتشابهه:



    0 Not allowed! Not allowed!
    التعديل الأخير تم بواسطة أحمد أبو زنط ; 05-11-2020 الساعة 04:34 AM
    المحامي أحمد عبد المنعم أبو زنط







  2.  

     

    استخدام حساب الفيس بوك الخاص بك للتعليق على الموضوع (جديد)

     


  3. #2
    عضو جديد Array
    تاريخ التسجيل
    Jan 2015
    المشاركات
    19
    Articles
    0
    Thumbs Up/Down
    Received: 2/0
    Given: 1/0
    معدل تقييم المستوى
    0




    بيانات اخرى

    الجنس :  ذكر

    المستوى الأكاديمي :  تعليم جامعي (بكالوريوس)

    الجامعة الحالية/التي تخرجت منها ؟ :  جامعة أخرى خارج الاردن

    الحالة الاجتماعية :  اعزب

    افتراضي رد: أثر جائحة فيروس كورونا على الالتزامات التعاقدية | المحامي أحمد عبد المنعم ابو زنط


    بحث قانوني رائع اتمنى ان ارى مزيد من الابحاث القانونية في هذا الجانب


    1 Not allowed! Not allowed!
    محامي ومستشار قانوني يقدم استشارات قانونية، عضو اتحاد المحامين العرب
    املك
    مكتب محاماة بجدة ومكتب محامي في الرياض

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

     

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •