تعد الجريمة ظاهرةً اجتماعية يرتبط وجودها بوجود المجتمعات، فمتى وجدت المجتمعات وجد الأفراد برغباتهم وأهوائهم وأهدافهم المختلفة التي قد تتضارب وتتعارض أحياناً، مما يجعل البعض يرى في الاعتداء على الآخرين سبيلاً لتحقيق أهدافه الخاصة، فالجريمة قديمةٌ قدم الوجود الإنساني، ولعل أول جريمة حدثت في التاريخ البشري هي جريمة قتل قابيل لأخيه هابيل.
وتحظى أسباب الجريمة والرغبة في السيطرة عليها بأوفر قدر من الاهتمام والقلق لدى المسئولين والعلماء، وقد ظهر العديد من الدراسات الفلسفية والفكرية التي تدعو إلى الاهتمام بشخص المجرم، ودوافعه لارتكاب الجريمة، بل والأهم من ذلك التفكير فيما يجب عمله نحو المجرم حتى يتحقق صلاحه وعدم عودته للجريمة مرة أخرى.
وهناك كثيرٌ من النظريات حاول أصحابها تفسير السلوك الإجرامي، وإبراز الدوافع المختلفة التي تكمن وراء هذا السلوك، سنلقي الضوء على بعضها وقد يكون في إلقاء الضوء على تلك الدوافع والنظريات كشف عن الأسباب الحقيقية وراء ارتكاب بعض أفراد المجتمع للجرائم.
غير أن الملاحظ مبدئياً أن كل تلك النظريات التي جاء بها الفلاسفة وعلماء الاجتماع والتربية الغربيون انطلقوا فيها من منطلقات مادية تتوافق مع ثقافاتهم التي تتخذ من المادة منهجا للبحث العلمي وتغفل أي أثر للروح أو القيم التي جاء بها الدين.
ونحن كوننا مسلمين نمتلك من الشجاعة ما يجعلنا قادرين على تقبل الفكر الإنساني أيا كان مصدره ثم ننتقده ونخضعه لمعايير ديننا السمح فما وجدنا فيه اتفاقا مع شريعتنا وقيمنا قبلناه وما وجدناه غير ذلك رددناه.
والأسباب الداعية لارتكاب الجريمة لاعلاقة لها بالدين ولكن معرفتها قد تساعد على التوصل إلى الأساليب التي يمكن من خلالها إزالة هذه الأسباب، وهدا مايسمى بسياسة تجفيف المنابع، حيث يتم التغلب على المشكلة بإزالة أسبابها.
تفسير السلوك الإجرامي:
اهتم رجال الفكر والعلم بمحاولة تفسير الجريمة منذ زمن بعيدٍ، إلا أن هذا الاهتمام لم يأخذ الطابع العلمي إلا منذ عهد قريب، فقد تميزت التفسيرات القديمة للسلوك الإجرامي بأنها ذات طابع ميتافيزيقا غيبي، فقد كان الاعتقاد السائد يقول بوجود قوى سحرية غيبية أو أرواح شريرة تؤثر على الفرد وتجعله يسلك سلوكاً إجرامياً، وبالتالي فإن هذه التفسيرات تميزت باللاموضوعية والبعد عن الأسلوب العلمي.(1)
وكان بعض القدامى أيضاً يعتقدون أن الجريمة قدر محتوم من قبل الآلهة ولذا لاينبغي أن نبحث عن أسبابها في الفرد أو المجتمع، وهي تعبر عن غضب الآلهة، كما ذكر بعض الفلاسفة أن الجريمة ظاهرة تنشأ عن إهمال التربية والتهذيب الروحي(2)
ومن أقدم النظريات الفلسفية في تفسير الجريمة قول سقراط بأن السلوك الإجرامي والجريمة يرجعان إلى الجهل، وأن السلوك السوي والفضيلة يرجعان إلى العلم. وقال أفلاطون في كتابه (القوانين) إن سبب الجريمة طبيعي في الفرد، ويساعد عليه شيطان يحمله الإنسان معه أينما سار، في حين يرى أرسطو أن السبب وراء السلوك الإجرامي ليس غيبياً ولكنه يرجع إلى الجشع والحسد وحب الثروة والطموح(3)
وترجع الدراسة المنظمة لأسباب الجريمة والسلوك الإجرامي إلى قرنين فقط من الزمان، فحتى وقت الثورة الأمريكية تقريباً كان المعتقد أن السبب وراء ارتكاب الجرائم هو الانحطاط الفطري الذي يغرسه الشيطان في الفرد. بمعنى أن هناك شيئاً ما خارجاً عن الفرد والمجتمع هو المسئول عن الجريمة كانت فكرة إمكانية القضاء على الجريمة أو تخفيض معدلاتها بتعديل الظروف التي تنتجها أمراً بعيداً تماماً(3).
ومع بداية العصر الحديث بدأت مجموعة من الدراسات المتعلقة بالبحث في أسباب الجريمة في الظهور، ولكن هذه الدراسات افتقدت الطابع العلمي، ولم يأخذ البحث في أسباب الجريمة الطابع العلمي إلا بعد الثورة العلمية التي ظهرت في العلوم الاجتماعية، والتي كانت تابعة للثورة العلمية في مجال العلوم الطبيعية، وقد تعددت الدراسات بتعدد العلوم التي تهتم بالسلوك الإجرامي، وعليه فقد تعددت اتجاهات تحديد عوامل وأسباب هذا السلوك(4). وقد ظهرت مجموعة من المراكز المتخصصة في مجال الجريمة عالمياً وعربياً منها على سبيل المثال (المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية) في القاهرة والمركز العربي للدراسات الأمنية في الرياض.
وفيما يلي نتناول عدداً من النظريات التي حاولت تفسير السلوك الإجرامي:

النظريات التفسيرية للإجرام:
أولاً: المدارس التكوينية:



(يقصد بالمدارس التكوينية تلك التي تربط بين الجريمة والتكوين العضوي للمجرم، سواء من حيث الشكل الخارجي لأعضاء جسمه أو أداء أعضائه الداخلية لوظائفها)(5).
فقد أثبتت بعض الدراسات وجود ارتباط بين التشوهات الجسمية والعيوب الخلقية، والسلوك الإجرامي، حيث اتضح من هذه الدراسات أن عدداً ليس بالقليل من المجرمين كانوا يعانون من عيوبٍ جسميةٍ(6) وربما يكون للأدب الأنجليزي دور في لفت أنظار الباحثين إلى وجود علاقةٍ بين الشكل الخارجي للفرد والسلوك الإجرامي، وذلك لما قدمه الأدب الإنجليزي من تصور للشخصية الإجرامية، حيث يوجد دائماً علاقة بين الشر وبعض السمات الجسدية، فيقول قيصر عن عدوه الخائف: إن (يوند كاسيوس) يتميز بتلك النظرة المخيفة، وأمثال هؤلاء يشكلون خطراً جسيماً. كما أن (جورج كروشانك) في رواية ديكتر) (أوليفر تويست) يصف كلاً من فاجن، وبيل سايكس بأن لهم حضوراً شريراً(7).
ويؤيد بعض الإعلاميين تلك الرؤية لشخص المجرم، حيث غالباً مايصور بعض مخرجي الأفلام السينمائية المجرم في هيئة ضخمةٍ، ووجهٍ مشوه وغلظة في الطبع، وصوتٍ مرتفع،... إلى غير ذلك من الصفات البدنية المتعلقة بالشكل الخارجي للمجرم.
وقد يؤدي الشعور بالخوف والقلق وعدم الاستقرار الذي ينتاب المرضى وأصحاب العاهات إلى انحرافهم أو إجرامهم، أو أن يقوم هؤلاء الأفراد بسلوك تعويضي من خلال الانحراف أو الجريمة يحاولون به تعويض أنفسهم عن الفشل في الدراسة أو عدم احترام الجنس الآخر لهم.. الخ(8).
ويجب التنويه إلى أن هذه النظريات لاتنكر أثر العوامل النفسية والجتماعية ولكنها ترى أن دورها ثانوي، أما السبب الرئيسي في السلوك الإجرامي فيرجع إلي عامل التكوين العضوي(9).
ويرجع الفضل في نشأة المدارس التكوينية إلى الطبيب الإيطالي (شيزاري لومبروزو) صاحب فكرة الإنسان المجرم وكان ذلك في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وأطلق البعض اسم (المدرسة الوضعية) على المدرسة التي أسسها لومبروزو(10).
وفيما يلي نتناول المدارس التكوينية متبعين كلاً منها بالنقد الموجه إليها وذلك على النحو التالي:

1 ـ المدرسة التكوينية التقليدية (المدرسة اللومبروزية):


أجرى (لومبروزو) مجموعة من الفحوص والدراسات على بعض المجرمين الأحياء والأموات بهدف الوصول إلى نتائج تسمح بالتمييز بينهم وبين الأسوياء غير المجرمين، فقد أجرى أبحاثه على حوالي 383 جمجمة لمجرمين موتى وحوالي 600 مجرم على قيد الحياة مستخدماً المنهج التجريبي. وقد ضمن (لومبروزو) نتائج هذه الأبحاث في الطبعة الأولى من كتابه (الإنسان المجرم) عام 1876م، والذي قال فيه: (إن المجرم وحش بدائي يتميز بملامح خاصة توفرت فيه عن طريق الوراثة، وأنه مطبوع على الإجرام)(11).
ومما أكد فكرة (الإنسان المجرم) عند لومبروزو أنه عندما قام بتشريح جثة شقى قاطع طريق يدعى (فيليلا) من جنوب إيطاليا لاحظ عنده فراغاً في مؤخرة الجبهة يشبه ذلك الذي يوجد عند القردة، مما حدا به إلي القول بأن المجرم وحشٌ بدائي).(12)
ولعل الذي قاد (لومبروزو) إلى إجراء هذه الدراسات هو ملاحظاته في أثناء عمله في الجيش الإيطالي، حيث لاحظ أن الجنود المشاكسين ينفردون بخصائص غير موجودة في غيرهم من الجنود الطيعين الهادئين، فقد كان هؤلاء المشاكسون يعتادون وشم أجزاء من أجسامهم بصور فاحشة، وكتابات ماجنة، وعند تشريح جثث بعض المتوفين منهم لاحظ وجود عيوب في التكوين الجسماني لهم(13).
وقد ذكر (لومبروزو) مجموعة من الصفات تشبه صفات الحيوانات البدائية، وقال بأن توفر خمس صفات أو أكثر من هذه السمات الجسدية يجعل الفرد خاصعاً للنمط الإجرامي التام، وإذا توفر لديه ثلاث صفات يكون من النمط الإجرامي الناقص، وإذا قلت هذه الصفات عن ثلاث فليس من الضروري اعتباره مجرماً. وهذه الصفات لاتكون سبباً في الجريمة بقدر ماتعني ارتداد صاحبها إلي النمط المتوحش البدائي، ومن هذه الصفات مايلي:(14).
1 ـ عدم انتظام وتشابه نصفي الوجه.
2 ـ كبر زائد في أبعاد الفك وعظام الوجنتين.
3 ـ تشوهات في العينين.
4 ـ امتلاء الشفتين وضخامتهما وبروزهما.
5 ـ طول زائد للذراعين.
6 ـ وجود أصابع زائدة في اليدين والقدمين.
ومما أشار إليه (لومبروزو) أيضاً أن السبب الأساسي للسلوك الإجرامي إنما يرجع إلى ما أسماه (بالاندفاع الخلقي) الذي يكون متأصلاً في تكوني المجرمين فيولدون به، وبالتالي يصعب على الظروف البيئية مهما كانت أن تغير من هذا القدر الذي لاخلاص منه.(15)
ومن الصفات النفسية التي تميز الإنسان المجرم عند (لومبروزو): عدم الشعور بالألم، وذلك لملاحظة كثرة الوشم على أجسام المجرمين، والاندفاع والغرور، وعدم الخجل(16). وكذلك الفظاظة، وغلظة القلب، مما يجعلهم يقدمون على جرائم الدم(17).
وقد ازداد التفكير في الربط بين السمات الجسدية والسلوك الإجرامي، بعد ظهور نظرية دارون في التطور البشري، وبعد الاهتمام المتزايد بعلم تحسين النسل، الذي كان يقوده في ذلك الحين سير (فرانسيس جالتون). فبعد الاهتمام بوجود علاقة بين الصفات الجسدية والسلوك الإجرامي كان نتيجة طبيعية لعمل بعض علماء فراسة الدماغ، مثل (فرانسيس كول)، وتلميذه دكتور (ليفرجن) الفرنسي، الذي قال بأن للمجرمين وجوهاً خاصة تتميز بالنظرة الوحشية وعدم التأثر بشيء(18).
وقد تعرض (لومبروزو) لنقد شديد من زميله (أنريكو فيري) الذي كان أستاذاً للقانون الجنائي بجامعة روما، وكان من المعارضين لنظرية (لومبروزو) عن الإنسان المجرم، ويرى فيرى أن العوامل المحيطة بالمجرم سواء كانت عضوية أو مادية أو اجتماعية، لها دور كبيرٌ في السلوك الإجرامي للفرد، وقد ضمن فيرى هذه الأفكار في كتابه (علم الاجتماع الجنائي)(19).
وقد وجد نقد (فيرى) صدى عند (لومبروزو) مما جعله يعترف بالعوامل الاجتماعية ـ وإن كان ذلك على نطاق ضيق ـ وقد أعاد (لومبروزو) صياغة نظريته بحيث قسم المجرمين إلى الفئات التالية:(20).
1 ـ المجرم المطبوع أو المجرم بالفطرة.
2 ـ المجرم الصرعى.
3 ـ المجرم المجنون.
4 ـ المجرم السيكوباتي.
5 ـ المجرم بالصدقة.
6 ـ المجرم المعتاد.
7 ـ المجرم العاطفي.

تقييم نظرية لومبروزو:


من أهم الانتقادات التي وجهت إلى نظرية لومبروزو أنه لم يقدم تفسيراً علمياً للعلاقة بين الخصائص الجسمية، والسلوك الإجرامي، كذلك فإن فكرة الجريمة تعتمد على التمييز بين الأفعال المشروعة، وغير المشروعة، وهي نسبية تختلف من مجتمع إلى آخر، بما يشر إلى أن الجريمة مفهوم نسبي يعتمد على قيم المجتمع التي لاعلاقة لها بالخصائص الجسمية لبعض الناس.(21)
وقد أشار (لومبروزو) في نظريته إلى أن الإنسان المجرم قد ورث بعض الصفات البيولوجية، والخصائص الخلقية بإنسان ماقبل التاريخ، أو الإنسان البدائي مما يشير إلى أن جميع أفراد المجتمع البدائي كانوا متوحشين، أو مجرمين، وهذا بالطبع لم يثبت تاريخياً(22)
وهذا مالايتوافق مع الشريعة الإسلامية التي تدعو إلى إحسان الظن بالآخرين فإن العلاقة بين الخصائص الجسمية والسلوك الإجرامي ليست دائماً صحيحة، فليس كل المجرمين ذوي ملامح وحشيةٍ، كما أنه ليس ضرورياً أن يصبح كل فرد يعاني من عيب خلقي مجرما، فجرائم الاحتيال والنصب غالباً مايرتكبها أفراد ذوو هيئات وسيمةٍ حتى يستطيعوا إقناع ضحاياهم عن طريق حسن مظهرهم أنهم من علية القوم.
كما أن جرائم الجنس تعتمد في كثير من الأحيان على استغلال بعض الأفراد لما يتميزون به من جمال الشكل، في التغرير بضحاياهم، وفي هذا دليل على أن العلاقة بين الشكل الخارجي والسلوك الإجرامي ليست دائماً صحيحة.
وإننا ـ على الجانب الآخر ـ نرى صُماً وعُمياناً وعُرجاناً، ومبتورى الأيدي، أو السيقان، أو ذوى الأجسام الضخمة، والملامح الوجهية الخشنة إلا أنهم ذوو قلوبٍ رحيمة، وأخلاق سامية.
ونحن نميل إلى ما أثبتته (أنا استاذي) من عدم وجود علاقة بين حجم الجسم، أو خصائص الوجه والجمجمة، وبين السلوك الإجرامي، وقالت بأن هذه العلاقة تكاد تكون منعدمة(23)

2 ـ النظرية الوراثية:


تقوم هذه النظرية على افتراض مؤداه أن بعض الخصائص الموروثة تجعل أصحابها ذوى سلوكيات إجرامية(26).
أي أن النظرية الوراثية ترى أن السلوك الإجرامي ينتقل بالوراثة كسائر السمات الجينية التي تنتقل للفرد عن طريق الوراثة، وقد أظهرت تلك الدراسات التي أجريت على أسر تفشى فيها الإجرام، ففي دراسة أجراها (دوجدال) على تاريخ أسرة (جوك)، لمدة 75 سنة، حيث أجرى فحصاً على 1200 فرد من المنحدرين منها، تبين لهم من خلاله أنه قد خرج من هذه الأسرة 280 متسولاً، 140 مجرماً، 65 لصاً، 7 قتلة، 50 عاهرةً، 440 مصاباً بأمراض سرية نتيجة للسلوك الجنسي المشاع، و30 طفلاً غير شرعي.(27)
وقد أثبتت بعض الدراسات أن السلوك الإجرامي يرجع إلى كروموزوم إضافي محدد للجنس لدى بعض الأشخاص ـ فمن المعروف أنه يوجد في الذكور السوية تركيبٌ كروموزومي وفي الإناث السوية تركيب كروموزومي، وأن الكروموزوم الإضافي يجعل سلوك صاحبه متسماً بالعنف، والقسوة، والعدوانية.(28)
وقد بدأ العلماء بالفعل في التركيز على دراسة أشجار العائلة لدى المجرمين، ودلت الأبحاث على أنه كلما تشابه التركيب التكويني لشخصين تشابه سجلهما الإجرامي(29).
وأجريت منذ أعوام قليلة مجموعة من الأبحاث التي تتعلق بالمظاهر المختلفة لهذا الشذوذ التركيبي، فيقول (فورسمان) بخصوص هذا الموضوع أنه قد أصبح من المسلم به أن هؤلاء الرجال الذين يحتوون على كروموزوم إضافي قد يظهرون بعض السلوكيات المعادية للمجتمع(30). وهذه النظرية باطلة لأننا نرى الولد الصالح يخرج من الأب الفاجر كإبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام ونرى الولد الفاجر يخرج من الأب الصالح كما قص الله علينا خبر نوح عليه الصلاة والسلام وابنه الكافر، إضافة إلى أن هذه النظرية ترسخ الجريمة أكثر لأن الأسر التي انتشرت فيهم مثلاً الجريمة لايحاولون إصلاح أولادهم ولا المجتمع يصلحهم لأنهم ـ بناء على هذه النظرية ـ سيصبحون مجرمين حتماً، إضافة إلى أن هذه النظرية فيها مايشبه مذهب القائلين بالجبر والذي مؤداه عدم مؤاخذة المذنب لأنه لاذنب له في ارتكاب الجريمة حيث ورثها عن آبائه وأجداده وهذا باطل.

3 ـ نظرية المحددات التكوينية (نمط بنية الجسم):


وتمثل هذه النظرية أحد الاتجاهات البيولوجية في تفسير الجريمة، ويحاول أصحاب هذا الاتجاه الربط بين أنماط بناء الجسم، وارتكاب أشكال معينة من الجرائم. (ودراسة الأنماط) نظام وصفي يقسم الناس إلى فئات محددة طبقاً لبناء أو تكوين الجسم، ويضع وصفاً للخصائص الجوهرية التي تميز كل فئة أو نمط. وكان أبو قراط الطبيب اليوناني القديم أول من أرسى دعائم دراسة الأنماط)(31).


4 ـ نظرية الاضطرابات الفسيولوجية:
(يرى أصحاب هذا الاتجاه أن بعض الاضطرابات الفسيولوجية التي قد توجد لدى بعض الناس، كزيادة إفرازات الغدد الصماء أو نقصانها أو الاضطرابات في عملية التمثيل الغذائي من شأنها أن تؤدي إلى السلوك الإجرامي).
وحيث إن الغدد الصماء هي المسؤولة عن النمو الهيكلي لجسم الإنسان وتأكيد صفات الذكورة والأنوثة فيه، فإن اختلال وظائف هذه الغدد يؤدي إلى نتائج تظهر في أعضاء جسم الإنسان من حيث التضخم والضمور والذكورة والأنوثة والنشاط والخمول والهيجان والاستقرار مما يؤدي في ظروف معينة إلى ارتكاب الفرد جرائم معينة. والغدد الصماء هي الغدد المقفلة إلا من قنوات تخرج ما تفرزه منه هرمونات كيماوية تساعد على النمو الجسمي والعقلي للفرد والتي يؤدي اضطراب إفرازاتها إلى اضطراب نمو الفرد، ومن هذه الغدد الغدة النخامية، والغدة الدرقية، والغد التناسلية.
وقد أثبت عالم الإجرام الإيطالي (بند) أن الإفراط في إفراز الغدة الدرقية يؤدي إلى جرائم العنف، وأن الخمول في إفراز الغدة النخامية يؤدي إلى جرائم الأموال.
ويذكر أصحاب هذا الاتجاه أن العلاقة بين الاضطرابات الفسيولوجية والسلوك الإجرامي هي علاقة السبب والنتيجة، بمعنى أنها علاقة ذات اتجاه واحد، أي أن انعدام التوازن في العمليات الفسيولوجية يؤدي إلى إفساد دوافع الفرد وسلوكه مما يؤدي به إلي ارتكاب الجرائم.
ونظرتنا نحن المسلمين المحكومين بشرع الله تعالى فإننا لانطمئن إلى هذه النظرية لأن مناط المسؤولية في الإسلام هو العقل والإرادة.
نقد النظريات السابقة:
^ أيها القاريء العزيز إن جميع ماذكر في النظريات السابقة هو دليل على فساد العقل الفلسفي الذي لم يهتد بنور الشرع الحنيف كما يدل على قصور البشر وتخبط بعضهم، ومامن شك أن الجريمة قد يكون لها سبب واحد أو أسباب متعددة تختلف باختلاف الناس وإن كان ضعف التدين الذي يجعل الإنسان رقيباً على نفسه محاسباً لها هو السبب الرئيس الذي تتولد منه الأسباب الأخرى كقلة التربية وانتشار الفساد في المجتمع مما يشجع على الإقدام على الجريمة والجهل المطبق سواء بالأحكام الشرعية أو بما يحتاجه الإنسان في حياته المعاصرة، ولا ينكر أيضاً أثر البيئة التي يعيش فيها المجرم في تشكيل نفسيته الإجرامية من أسرته إلى مدرسته إلى حارته إلى أقرانه وأصدقائه وقرابته.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
^ المراجع:
1ـ السيد رمضان، الجريمة والانحراف من المنظور الاجتماعي، (الاسكندرية: المكتب الجامعي الحديث، 1985م)، ص63.
2ـ د. علي عبدالقادر القهوجي، علم الإجرام وعلم العقاب، (بيروت: الدار الجامعية للطباعة والنشر، ب ت) ص37.
3ـ د. السيد رمضان، مرجع سابق، ص63.
James William Coleman Coleman and Donald R. Cressy, Social Problems, third edition, NeYorK Harper and Ro, pblishers, p. 406 .
5ـ د. علي عبدالقادر القهوجي، مرجع سابق، ص38.
6ـ المرجع السابق، ص39.
7ـ د. محمد شحاتة ربيع وآخرون، علم النفس الجنائي، (القاهرة: دار غريب، 1995م)، ص92.
HerschlPrins, Criminl Behavior An Introdcion to Its Stdy and Treatment, NeYorkPitman pblishing, 1973, p.47 .
9ـ د. السيد رمضان، مرجع سابع، ص ص 85: 86.
10ـ د. علي عبدالقادر القهوجي، مرجع سابق، ص 39.
11ـ
James William Coleman and Donald R. Cressy, op. Cit, pp.407 ـ 406.
12ـ د. علي عبدالقادر القهوجي، مرجع سابق، ص 40: 42.
13ـ د. حسنين إبراهيم صالح عبيد، الوجيز في علم الإجرام وعلم العقاب، (القاهرة: دار النهضة العربية، 1978م) ص 37.
14ـ د. سامية حسن الساعاتي، الجريمة والمجتمع: بحوث في علم الاجتماع الجنائي، ط2، (بيروت: دار النهضة العربية، 1983م) ص92.
15ـ د. السيد رمضان، مرجع سابق، ص ص 74: 75.
16ـ د. سامية حسن الساعاتي، مرجع سابق، ص 93. عن:
17ـ د. نور الدين هنداوي، مبادئ علم العقاب، (القاهرة: دار النهضة العربية، 1989م) ص37.
18ـ د. حسنين إبراهيم صالح عبيد، مرجع سابق، ص37.
19ـ .47
Hershel Prins, op. Cit. , p.
20ـ د. نور الدين هنداوي، مرجع سابق، ص 38.
21ـ د. علي عبدالقادر القهوجي، مرجع سابق، ص ص 42: 46.
22ـ د. محمود نجيب حسني، دروس في علم الإجرام وعلم العقاب، (القاهرة: دار النهضة العربية، 8891ص) المجتمع ص44.
أ: 145.
24: د. أنور محمد الشرقاوي، انحراف الأحداث، ط2 مكتبة القاهرة: (الانجلو المصرية، 1986ص) المجتمع 194.
25ـ د. علي عبدالقادر القهوجي، مرجع سابق، ص 5.
26ـ د. السيد رمضان، مرجع سابق، ص 97.
27ـ محمد شحاته ربيع وآخرون، مرجع سابق، ص48.
28ـ د. السيد رمضان، مرجع سابق، ص 86.
29ـ د. محمد شحاته ربيع وآخرون، مرجع سابق، ص ص 48: 78.
30ـ
Jamesilliam Coleman and Donald R. Cressy, op. cit, pp. 408 ـ 407.
31ـ
Herschel Prins, op. Cit., p. 49.